شاهين في عالم الجن والشياطين

المقدمة

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعد:

فإن من أعظم نِعَمِ الله على عباده أن جَعَلَ في كتابه شفاءً لِما في الصدور، وجَعَلَ في سنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم هَدْياً يُنير الطريق لكلِّ سالك. ومن رحمته سبحانه أن علَّمنا كيف نتعامل مع عالم الغيب الذي لا نراه، وكيف نَحمي أنفسنا ممَّا قد يُصيبنا منه.

وهذا الكتابُ الذي بين يديك ـ أيُّها القارئ الكريم ـ خلاصةُ سنواتٍ من التعلُّم والأخذ والمدارسة عن أهل العلم والخبرة في هذا الباب، ممَّن جَمَعَ الله لهم بين العلم الشرعيِّ الراسخ والخبرة العمليَّة الطويلة في التعامل مع حالات الإصابة الروحيَّة، لا عن عالمٍ واحدٍ بعينه.

سببُ تسمية الكتاب وشكرُ مشرفه

وأمَّا «شاهين» فاسمٌ اخترتُه عنواناً لهذا الكتاب لمعنيَين اجتمعا فيه. أوَّلُهما: أن الشاهين عند العرب هو الصقرُ الجارحُ القويُّ، أَحَدُّ الجوارح بصراً وأَسرعُها انقضاضاً، يُحلِّق عالياً فيَرى ما لا يَراه غيرُه، ثم يَنقضُّ على خفيِّ الصيد فلا يُفلته. وعالمُ الجنِّ والشياطين عالمٌ خفيٌّ لا تُدركه الحواس، فناسبَ أن يَحمل الكتابُ اسمَ جارحٍ قويٍّ حادِّ البصر؛ إشارةً إلى منهجه: قوَّةٌ في التأصيل، وعلوٌّ في النظر، وانقضاضٌ على خفايا هذا العالم بنور الوحي حتى لا تُفلت منه.

وثانيهما: لمحةُ وفاءٍ لمشرف هذا الكتاب فضيلة الدكتور أحمد فرَّاج شاهين، الذي تفضَّل بالإشراف عليه ومراجعته والتوجيه في مادَّته العلميَّة، فصحَّح وقوَّم وأفادَ بعلمه ونظره؛ فجاء الاسمُ جامعاً بين معنى القوَّة ونسبةِ الفضل إلى أهله. فجزاه الله عنِّي وعن قرَّاء هذا الكتاب خيرَ الجزاء.

وتلقَّيتُ عن أهل هذا الميدان وسَقَوْني من علمهم، فرأيتُ بعيني ما لم أكن أتصوَّر، وسمعتُ بأذني ما كنتُ أظنُّه من قبيل المبالغات. ولمَّا رأيتُ حاجةَ الناس الماسَّة إلى فهمٍ صحيحٍ لهذا الباب ـ بعيداً عن الخرافات والأوهام من جهة، وبعيداً عن الإنكار والتكذيب من جهةٍ أخرى ـ عَزَمْتُ على جَمْع ما تَعلَّمته في هذا الكتاب.

منهج الكتاب

سرتُ في هذا الكتاب على منهجٍ واضح، أُبيِّنه للقارئ ليكون على بصيرةٍ ممَّا يقرأ:

أوَّلاً: التأصيلُ الشرعيُّ هو الأساس. فكلُّ ما في هذا الكتاب مَبنيٌّ على الكتاب والسنَّة وفهم سلف الأمَّة. لا مكانَ هنا للخرافات ولا للخزعبلات، ولا لِما لا دليل عليه من الشرع.

ثانياً: ما ثَبَتَ بالتجربة المتكرِّرة عند أهل الخبرة الثقات ـ ممَّا لا يُعارض الشرع ـ ذَكَرْتُه مع التنبيه على أنه من باب التجربة لا من باب التشريع. فالتجربة لها اعتبارُها عند العلماء ما لم تُخالف نصَّاً أو قاعدةً شرعيَّة.

ثالثاً: حَرَصْتُ على الوضوح والبيان، فهذا الكتاب ليس للمختصِّين فحسب، بل لكلِّ مسلمٍ يُريد أن يَفهم هذا الباب ويَحمي نفسَه وأهلَه.

رابعاً: أكثرتُ من ذِكْر القصص الواقعيَّة التي شَهِدْتُها أو سَمِعْتُها من مصادرَ موثوقة؛ لأن القصَّة تُقرِّب المعنى وتُرسِّخه في الذِّهن، ولأن فيها عبرةً وعِظَة.

خامساً: تَجنَّبْتُ الخوضَ فيما لا طائل تحته من التفاصيل التي لا ينبني عليها عمل، واقتصرتُ على ما يَحتاجه المسلم في فهمه وتعامله وعلاجه.

سادساً: مَيَّزْتُ في هذا الكتاب بين ثلاث مراتب من المعلومات: مرتبةٌ منصوصٌ عليها في الكتاب أو السنَّة أو إجماع أهل العلم، وهذه أَصْلُ الكتاب وقاعدتُه. ومرتبةٌ اجتهاديَّةٌ من تخريجات أهل العلم، أُسوقها بصيغتها. ومرتبةٌ خبراتيَّةٌ من تجارب أهل الميدان، أُنبِّه عليها بقولي: «قَرَّرَه أهلُ الخبرة بالتجربة» أو «ممَّا جرَّبه الرقاة»، ليكون القارئ على بصيرةٍ من مَصْدر كلِّ معلومة، ويأخذها بِحَسْبها.

سابعاً: اعتمدتُ في المادَّة الميدانيَّة على دروسٍ منشورةٍ لعددٍ من المتخصِّصين المعاصرين في هذا الفن، محرَّرةً موزَّعةً في أبواب الكتاب بحسب موضوعاتها، موسومةً في مواضعها بنحو: «قرَّره المجرِّبون من الرقاة»؛ وقد آثرتُ إبهامَ الأعيان صيانةً للخصوصيَّات، والفضلُ لأهله. ويَستعمل بعضُ أهل الميدان ألفاظاً مثل: «الجسد الأثيري» و«الطاقة السلبيَّة» و«الهالة»، اصطلاحاً للتقريب، يُريدون بها آثاراً روحيَّةً محسوسةً بالتجربة، ولا يُريدون بها معانيَ مدارس «الطاقة» الباطنيَّة المحذورة شرعاً المُبيَّنة في باب التحذيرات. والعبرةُ بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني؛ ولم يَثبت في الشرع إثباتُ جسدٍ ثانٍ للإنسان يُسمَّى «الأثيريَّ»، وإنَّما هو تشبيهٌ تقريبيٌّ لما يَقع على الروح والبدن من أذى لا تُدركه الآلة. فمن وَجَدَ في نفسه من هذه الألفاظ لَبساً فلْيَستبدل بها: «الأثرَ الروحيَّ» و«الأخلاطَ» ونحوَهما من ألفاظ أهل العلم.

البراءة من الخطأ

وأنا إذ أَضَع هذا الكتاب بين يدَي القارئ، أُقِرُّ بأنني بشرٌ أُخطئ وأُصيب. فما كان فيه من صوابٍ فمن الله وحدَه، وما كان فيه من خَطأٍ فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأسألُ الله أن يَجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يَنفع به كاتبه وقارئه وكلَّ من أعانَ على إخراجه. إنه سميعٌ مُجيب.

تنبيهٌ مهمٌّ

هذا الكتاب ليس بديلاً عن الطبيب. فكثيرٌ من الأعراض التي سنذكرها قد تكون لها أسبابٌ عضويَّةٌ بحتة، والأصلُ أن يَسعى المسلم في الأسباب المادِّيَّة المشروعة، ثم يتوكَّل على الله.

فمن وَجَدَ عنده أعراضاً معيَّنة، فلْيَعرض نفسه أوَّلاً على الطبيب المختصِّ، فإن لم يَجد سبباً عضويَّاً، أو وَجَدَ أن الأعراض لا تستجيب للعلاج الطبيِّ رغم صحَّة التشخيص، فعندئذٍ يُنظَر في احتمال الإصابة الروحيَّة.

والجمعُ بين السببَين لا حرجَ فيه، بل هو من كمال التوكُّل على الله. فالمسلمُ يَأخذ بالأسباب المادِّيَّة، ويَرقي نفسَه بالرقية الشرعيَّة، ولا تعارُضَ بين الأمرين.

طبيعةُ هذا الكتاب

هذا الكتاب جَمْعٌ وترتيبٌ وتحريرٌ لِما تَعلَّمْتُه، وليس تأليفاً مُبتكَراً. فالعلمُ الشرعيُّ فيه مأخوذٌ من كتب أهل العلم المعتبَرين، والخبرةُ العمليَّةُ فيه مُستفادةٌ ممَّن مارسوا هذا الباب سنين طويلة.

ودَوْري فيه هو الجمعُ والترتيبُ والصياغة، مع الحرصِ على التثبُّت والتدقيق. وقد حاولتُ أن أُقدِّمَ المادَّة بأسلوبٍ مُيَسَّرٍ يَفهمه العامِّيُّ ويَستفيد منه الخاصِّيُّ، وأمَّا تَنسيقُ النصِّ ومراجعتُه الشكليَّة، وتَدقيقُ ضبطه ومُقابلَتُه، فقد أَعانني على شيءٍ منه برنامجُ ذكاءٍ صناعيٍّ في إخراج النصِّ الأخير بصورته المُحكَمَة، دون تَدَخُّلٍ في التأليف ولا في الجَمْع، حِرصاً على الأمانة العلميَّة.

والله أَسألُ أن يَجعله في موازين حسناتنا جميعاً، وأن يَجعله سبباً في شفاءِ من ابتُلي، وحمايةِ من لم يُبتَلَ، وهدايةِ من ضَلَّ الطريق.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقيرُ إلى عَفْو ربِّه

محمد حسن المحوري