شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب السادس: تحذيراتٌ وتنبيهات

الفصلُ الأوَّل: سِحرُ آخرِ الزمان ـ السحرُ بثَوبٍ شرعيٍّ

تَمهيدٌ: خروجُ الفِتَن في آخر الزمان

اعلم ـ أيُّها القارئُ الكريم ـ أن من أعظم فِتَن آخر الزمان فتنةَ السحر الذي يَلبس ثوبَ الإسلام، ويَتقنَّع بأقنعةٍ شرعيَّةٍ خادعة، فيَنخدع به كثيرٌ من المسلمين الصالحين، ويَظنُّون أنهم يَتقرَّبون إلى الله بما هو في حقيقته شركٌ وسحر.

وقد ورد في مقدِّمة صحيح مسلم عن طاوس بن كيسان رحمه الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:

«إنَّ في البَحرِ شياطينَ مَسجونةً، أَوثَقَها سُليمانُ، يُوشِكُ أن تَخرُجَ، فتَقرَأَ على الناسِ قُرآنًا» [أَخرجه مسلمٌ في مقدِّمة صحيحه]

وهذا الأثرُ موقوفٌ على ابن عمرو رضي الله عنهما في مقدِّمة صحيح مسلم. وقد يُقال إن مثله لا يُقال بالرأي فيأخذ حكمَ الرفع، غير أن ابن عمرو رضي الله عنهما ممَّن عُرف بالأخذ من أخبار أهل الكتاب، فلا يُجزَم برفعه، ويكفي في الاستشهاد به ثبوتُه عن صحابيٍّ جليلٍ وموافقتُه لما يُشاهَد من الواقع. وفيه إشارةٌ بليغةٌ إلى أن من فِتَن آخر الزمان أن تَخرج شياطينُ تَستخدم القرآنَ في إضلال الناس، أي تَقرأ القرآنَ على غير ما أُنزل، وتُحرِّفه عن مَوضعه.

وما نَراه اليومَ من ظهور أنواعٍ من السحر تَعتمد على القرآن وأسماء الله الحُسنى وفواتح السور، يُصدِّق هذا الأثر تَصديقاً ظاهراً. فإن السحرَ القديمَ كان يَعتمد على الطلاسم والشركيَّات الواضحة، يَعرفها كلُّ مسلمٍ بأَوَّل وَهلة، فيَنفر منها. أمَّا سحرُ هذا الزمان فقد لُبِس ثوبَ الشريعة، حتى انخدعَ به الصالحون قبل العامَّة.

(تنبيهٌ مهم) الفتنةُ في هذا الباب أعظمُ من فتنة السحر التقليديِّ بمراحل، لأنَّ الإنسانَ يَقع فيها وهو يَظنُّ أنَّه يَتعبَّد لله. وكلَّما لُبِسَ الباطلُ ثوبَ الحقِّ، اشتدَّ ضَرَرُه وزاد ضحاياه. ولذا وَجَبَ على أهل العلم بيانُ هذه الأنواع وتحذيرُ الناس منها.

أوَّلاً: السحرُ بالقرآن والأسماء الحُسنى

هذا النوعُ من أَخطر أنواع السحر المعاصرة، وأكثرها انتشاراً، وأَعظمها فتنةً. ومنه صورٌ متعدِّدة:

الصورةُ الأولى: تكرارُ البسملة بأَعدادٍ مَخصوصة

يَنتشر بين بعض الجهلة من المتعبِّدين تكرارُ البسملة بأعدادٍ معيَّنة لتحقيق مقاصدَ خاصَّة: كتكرارها تسعَ عشرةَ مرَّةً «ليُقبَل العمل»، أو إحدى عشرةَ مرَّةً «لِفَتْح الرزق»، أو مئةً وإحدى عشرةَ مرَّةً «لقضاء الحاجات».

وحقيقةُ هذا الأمر: أنَّه بدعةٌ صريحةٌ لم يَرد بها نصٌّ من الكتاب ولا السنَّة، ولا فَعَلَه السلفُ الصالح. والبسملةُ ذِكرٌ شرعيٌّ مُبارَكٌ يُستفتَح بها كلُّ أمرٍ ذي بال، لكنَّ تخصيصها بعددٍ مُعيَّنٍ ووقتٍ مُعيَّنٍ لجَلْب نَفعٍ أو دَفع ضُرٍّ ـ بلا دليلٍ شرعيٍّ ـ بابٌ من أبواب البِدعة الشركيَّة.

والقاعدةُ المستقرَّةُ عند أهل العلم: أنَّ الذِّكر إذا قُيِّد بعددٍ أو زمانٍ أو مكانٍ أو حالٍ بلا توقيفٍ من الشارع، فقد دَخَلَ في دائرة الابتداع. والابتداعُ في الذِّكر أشدُّ من الابتداع في غيره، لأنَّ صاحبه يَظنُّ أنَّه يَتقرَّب إلى الله، فيَبعد عنه وهو لا يَشعر.

قال صلَّى الله عليه وسلَّم:

«من عَمِلَ عَمَلاً ليس عليه أَمرُنا فهو رَدٌّ» [رواه مسلم]

الصورةُ الثانية: استخدامُ الأسماء الحُسنى في تحضير الجنِّ

من أعظم ما لُبِّس به السحرُ في هذا الزمان: استخدامُ أسماء الله الحُسنى في تحضير الجنِّ والشياطين. ومن أشهر الكُتب التي يَتداولها أهلُ هذا الفنِّ: كتابُ «شمس المعارف» للبوني، وكتابُ «الطوخي»، وكتابُ «هداية العباد في أسرار الحروف والأعداد»، وغيرُها من الكُتب التي تُسمِّي نفسها «روحانيَّةً» وهي في الحقيقة كُتبُ سحر.

وفي هذه الكُتب فصولٌ كاملةٌ في «خواصِّ» الأسماء الحُسنى بتكراراتٍ مَخصوصةٍ وأَوقاتٍ معيَّنة، يُزعَم أنَّها تُسخِّر الكونَ، وتُحضر الخُدَّامَ من الملائكة! والحقيقةُ أنَّ هذه التكرارات والصِّيَغ تَستجيب لها الشياطين، فتَتَنزَّل على من يَفعلها، وتُحقِّق له بعضَ مَآربه فتنةً واستدراجاً.

وقد ذَكَرَ شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة وغيرُه من المحقِّقين: أنَّ ما يَجري على أيدي هؤلاء من خوارقَ ليس كرامةً ولا ولايةً، بل هو من جنس ما يَجري على أيدي الكهَّان والسحرة، يَحصل بسبب التَّقرُّب إلى الشياطين بأنواعٍ من الكفر والشرك.

(ضابطٌ نفيس) الأسماءُ الحُسنى يُتعبَّد بها على وَجهٍ شرعيٍّ، فيُدعى الله بها مطلقاً بلا تقييدٍ بعددٍ مَخصوصٍ ولا وَضعٍ مُحدَث. ومن قَيَّدها بعددٍ سحريٍّ ووَقتٍ نُجوميٍّ وحالٍ مَخصوصةٍ ـ بلا توقيفٍ ـ فقد جَعَلَها كالطلاسم، وأَخرَجَها من بابِ التَّعبُّد إلى باب التَّسخير. وفَرقٌ عظيمٌ بين أن تَسأل اللهَ بأسمائه، وبين أن تَستخدم أسماءه لتُسخِّر بها الكون!

الصورةُ الثالثة: تكرارُ فواتح السور (الحروف المُقَطَّعة)

ومن أَخفى ما لُبِّس به السحرُ المعاصر: استخدامُ فواتح السور كـ ﴿كهيعص﴾ و﴿حم﴾ و﴿طه﴾ بتكراراتٍ مَخصوصة. ففي كتاب «شمس المعارف» فصلٌ كاملٌ ـ هو الفصلُ السابعَ عشَرَ ـ في «خواصِّ تكرار ﴿كهيعص﴾ بأَعدادٍ معيَّنة»، يَزعم صاحبُه أنَّها تَفتح أسرارَ الأرض وتُسخِّر الكون!

والناظرُ في اليوتيوب وغيره من وسائل التواصل يَجد عشراتِ المقاطع التي تُعلِّم الناسَ هذه التكرارات، بأسلوبٍ خادعٍ يَجعلها تَبدو من العبادات الإسلاميَّة. وكثيرٌ من المسلمين يَقعون في هذه الفتنة، فيُجرِّبون التكرارَ ويَجدون فيه أثراً ـ كَيَسارٍ في رزقٍ، أو تيسيرٍ في زواج، أو غير ذلك ـ فيَثبت في قلوبهم أنَّ هذا حقٌّ!

والحقيقةُ التي يَجب على المسلم أن يَعِيها: أنَّ ما يَحصل من «نفعٍ» بهذه التكرارات إنَّما هو خِدمةٌ من الشيطان لمن يَستجيب له، استدراجاً وفتنة. قال تعالى:

﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]

فالشياطينُ تَخدم هؤلاء في البداية ـ فيما يُسمَّى «شَهر العَسَل» في التَّعامل ـ ثمَّ تَنقلبُ عليهم، فتُسلِّط عليهم البلاءَ، وتُفسد عليهم حياتهم، وتُذهب بدينهم ودنياهم. وهذا هو حال كلِّ من تَعامَلَ مع الشيطان، يَبدأ بشيءٍ يَسيرٍ، فلا يَزال به الشيطانُ حتَّى يُورده مَوارد التَّهلكة.

تَحذيرٌ من الكُتب المرجعيَّة لهذا السحر

ينبغي للمسلم أن يَعرف أسماءَ الكُتب التي تُروِّج هذا النوع من السحر، حتَّى يَجتنبَها ويُحذِّرَ منها. ومن أشهر هذه الكُتب:

وقد جَعَلَ بعضُ النَّاشرين هذه الكُتبَ تُباع علناً في المكتبات، وعلى رُفوف باعة الكُتب على الأرصفة، وأَحياناً في المعارض «الإسلاميَّة» للأسف. ويَنبغي على وِزارات الأَوقاف وأَهل العلم التَّحذيرُ من بَيعها، فإنَّ في انتشارها فتنةً عظيمةً للعامَّة.

ثانياً: سِحرُ القَبَالة ـ الأَرقامُ والتَّكراراتُ السحريَّة

القَبَالَةُ مذهبٌ صوفيٌّ يهوديٌّ باطنيٌّ، يَزعم أصحابه أنَّ للحروف العبريَّة وللأرقام أسراراً كونيَّةً يُمكن للإنسان أن يَستخدمها لتسخير الكون. وهذا هو السحرُ الذي تَعلَّمه اليهودُ في بابل، الذي ذَكَره الله في قوله:

﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: 102]

وأَعجبُ ما في هذا الزمان أنَّ هذا السحرَ القَبَاليَّ ـ الذي كان مدفوناً في كُتب اليهود لا يَعرفه إلَّا خواصُّ السحرة ـ خَرَجَ فجأةً في عصرنا، وانتَشَرَ بين المسلمين بأشكالٍ خادعة، حتَّى صار من «الترَنْدات» التي يَتداولها الشبابُ والفتيات على وسائل التواصل وهم يَظنُّون أنَّه شيءٌ بريء.

الأَرقامُ القَبَاليَّة وادِّعاءاتُها

القَبَاليُّون يَعتقدون أنَّ لبعض الأَرقام «طاقةً كونيَّةً» يُمكن استدعاؤها بتَكرار النَّظَر إليها أو نُطقها أو الطلب بها. ومن أشهر هذه الأرقام في زماننا:

وكلُّ هذه الأَرقام في حقيقتها أَكوادٌ سحريَّةٌ قَبَاليَّةٌ يَستجيب لها الشياطين. فمن استَخدمها وقَعَ في حَبَالة الشَّيطان، وإن كان لا يَدري.

«الأَكوادُ الكونيَّة» و«رسائلُ الملائكة»

يَنتشر في وَسائل التَّواصل ما يُسمَّى بـ «الأكواد الكونيَّة» و«تطبيق الأرقام الكونيَّة» و«رسائل الملائكة»، يَزعم أصحابُها أنَّ الإنسانَ يَستطيع الطلبَ من «الكون» مباشرةً بهذه الأرقام، وأنَّ الكونَ سيَستجيب له ويُلبِّي طلباته.

وحقيقةُ هذا الكلام: أنَّه شركٌ صريحٌ بالله. فإنَّ الكونَ مخلوقٌ من مخلوقات الله، لا يَملك لنفسه نَفعاً ولا ضَرَّاً، فضلاً عن أن يَمتلك ذلك لغيره. والطلبُ من الكون عَيْنُ الطَّلب من غير الله، وهو بابٌ من أبواب الشِّرك الأكبر.

وأمَّا «رسائلُ الملائكة» فهو افتراءٌ على الملائكة الكرام. فإنَّ الملائكةَ عبادٌ مكرَّمون لا يَعصون الله ما أَمَرَهم ويَفعلون ما يُؤمَرون، ولا يُرسلون «رسائلَ» للناس عَبر الأرقام كما يَزعم هؤلاء. وقد أَخبَرَنا الله عن مَآل من يَعبد الملائكةَ من دون الله، حيث قال:

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ \* قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: 40-41]

فَتَأَمَّل ـ يا رعاك الله ـ كيف كَشَفَ القرآنُ حقيقةَ هؤلاء الذين يَزعمون عبادةَ الملائكة: أنَّهم في الحقيقة يَعبدون الجنَّ، والجنُّ بهم مؤمنون أي راضون عنهم، فاتحون لهم أبوابَ الفتنة. وهذا تماماً ما يَحصل لأصحاب «الأكواد الكونيَّة» اليوم: يَظنُّون أنَّهم يَتواصلون مع الملائكة، وهم في الحقيقة يَتواصلون مع شياطينَ يَلبسون عليهم لِباسَ الملائكة.

سؤالٌ وجواب: الأورادُ المقيَّدةُ بأرقامٍ مستخرجةٍ من الأسماء والطوالع

سُئل بعضُ المجرِّبين من الرقاة عمَّن يُعطى رقماً مخصوصاً ـ كأن يُقال له: قل في الصباح «يا قويُّ يا غنيُّ» ثلاثَمئةٍ وخمسين مرَّةً، وفي العصر كذا، وفي الليل كذا ـ من أسماء الله وصفاته: أهو من السحر الذي يُحضر الشياطين؟

فأجاب بما حاصله: كلُّ ما خالف الكتاب والسنَّة ـ وخاصَّةً في أبواب العبادات والطاعات والرقى ـ فهو بوَّابةٌ لجلب الشياطين، وهذه من خرافات السحرة والدجَّالين وبعض غلاة المتصوِّفة ومن على شاكلتهم. والفرقُ الفاصل: أن الأذكار الشرعيَّة وَرَدَت بأعدادٍ توقيفيَّةٍ ثابتةٍ بالنص، وأما الأعدادُ المستخرجةُ من اسم الشخص وطالعه فمن صميم السحر العددي وعلم الحروف والأوفاق. وهو موافقٌ لما تقدَّم تقريرُه في هذا الفصل.

الفَرقُ الجوهريُّ بين التَّكرار الشرعيِّ والتَّكرار البِدعيِّ

قد يَتساءل القارئ: ما الفَرقُ بين تكرار الذِّكر الشرعيِّ ـ كقراءة سورة البقرة يوميَّاً، أو تَكرار آية الكرسيِّ، أو تكرار سورة الإخلاص ثلاث مرَّاتٍ ـ وبين هذه التَّكرارات السحريَّة؟

والجَوابُ من ثلاثة أَوجُه:

الوَجْهُ الأوَّل: التَّوقيف. التَّكرارُ الشرعيُّ بأَعدادٍ مَخصوصةٍ ـ كالأذكار التي وَرَدَت بأعدادٍ معيَّنةٍ ـ ثَبَتَت بنصٍّ من الشارع. أمَّا التَّكراراتُ السحريَّةُ فلم يَرد بها نصٌّ، بل ابتُدِعَت من عند أصحابها، أو نُقِلَت من كُتب السحر.

الوَجْهُ الثاني: المقصد. التَّكرارُ الشرعيُّ مَقصودُه التَّعبُّد لله والتَّقرُّب إليه، فأمَّا الأَثَرُ الدنيويُّ فهو من فضل الله. أمَّا التَّكراراتُ السحريَّةُ فمقصودُها الأَوَّلُ تحقيقُ مَقصدٍ دنيويٍّ بطَريقٍ مَخصوص، وكأنَّ القارئَ يَعمل عمليَّةً سحريَّةً لتحصيل مَطلب.

الوَجْهُ الثالث: الكَيْفيَّة. الذِّكرُ الشرعيُّ المُطلَقُ يَجوز تَكرارُه على أيِّ صِفةٍ، فمن قَرَأ سورةَ البقرة ألفَ مرَّةٍ في عُمره فلا حَرَجَ. أمَّا تَكرارُ البسملة تسعَ عَشرةَ مرَّةً في وقتٍ مَخصوصٍ بنيَّة قَبول العمل ـ فهذا تَقييدُ المُطلَق بلا دليل، وهو بِدعة.

(قاعدةٌ ذَهَبيَّة) ليس كلُّ تَكرارٍ بِدعةً، وليس كلُّ تَكرارٍ شرعيَّاً. الضابطُ: أن يَكون الذِّكرُ مأثوراً، وأن يَكون التَّقييدُ بالعدد ـ إن وُجِدَ ـ منصوصاً عليه شرعاً، وأن يَكون المقصدُ التَّعبُّدَ لله. فإذا اختَلَّ ضابطٌ من هذه الضَّوابط، انتقَلَ التَّكرارُ من باب العبادة إلى باب البِدعة، وقد يَنتقل من البِدعة إلى السحر.

ثالثاً: السِّحرُ بثَوبٍ عِلميٍّ ـ التَّسمياتُ الجديدةُ للسحر القديم

ومن أعظم فِتَن هذا الزمان: تَلبيسُ السحر القديم بمصطَلَحاتٍ علميَّةٍ ونَفسيَّةٍ مُعاصِرة، حتَّى صار يُسمَّى بأسماءَ تَنزع عنه قُبحَ السحر، ولكنَّه في الحقيقة هو هو.

وأصلُ هذه الحَركة المعاصرة في الغرب: جماعةُ «الويكا» (Wicca)، وهي حَركةٌ سحريَّةٌ وَثَنيَّةٌ نَشأَت في إنكلترا في مُنتصف القرن العشرين، وانتَشَرَت في العالم تحت مُسمَّياتٍ «روحيَّةٍ» و«علميَّةٍ» متعدِّدة. وقد رَصَدَ هذه الفتنةَ ـ في الكتابات العربيَّة المعاصرة ـ الدكتور هيثم طلعت في كتابه النفيس «الإلحاد الرُّوحيُّ»، وهو من أَنفع ما كُتِبَ في هذا الباب.

التَّسمياتُ المُحدَثةُ للسِّحر القديم

ومن أَشهر هذه التَّسميات في زماننا:

«إنَّ الرُّقى والتَّمائمَ والتِّوَلَةَ شِركٌ» [رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وصحَّحه الألبانيُّ]

مَوقفُ الشَّريعة من هذه «العلوم»

كلُّ هذه الأَنواع التي ذَكَرناها ـ على اختلاف مُسمَّياتها ـ يَجمعها أَمرانِ:

الأَوَّل: ادِّعاءُ قُدرةٍ أو تأثيرٍ أو خاصِّيَّةٍ في غير الله، سَواءٌ كان ذلك في الكون أو الطاقة أو الأرقام أو الأَحجار. وهذا في حقيقته شِركٌ بالله في الرُّبوبيَّة.

الثاني: الاستعانةُ بالشَّياطين ـ مع العِلم أو دونه ـ إذ إنَّ هذه الطُّرقَ كلَّها تَستجيب لها الشَّياطين، فتَتنزَّل على من يُمارسها وتُعينه استدراجاً وفِتنة، حتَّى إذا تَمَكَّنَت منه تَسلَّطَت عليه وأَفسَدَت دينَه ودنياه.

والقاعدةُ الشرعيَّةُ في هذا الباب: أنَّ كلَّ ما لم يَرد له أصلٌ في الشريعة من طُرق العلاج والشِّفاء والاستِجلاب والاستِدفاع، فيَنبغي للمسلم اجتنابُه. وما كان من بابِ الأَسباب الطبِّيَّة الحِسِّيَّة المَعلومة بالتجربة العلميَّة المُحكَمَة فهو مُباحٌ، وما كان من باب «الطاقة» و«الكون» و«الأرواح» فهو السحرُ بعينه ولو سُمِّيَ بغير اسمه.

(قاعدةٌ في تَمييز السحر المُعاصِر) متى رأَيتَ علاجاً يَنسب التأثيرَ إلى الكون أو الطاقة أو الأرقام أو الأَحجار أو الأَلوان، أو يَتحدَّث عن «الذَّبذَبات» و«الترَدُّدات» في تأثيرها على الرُّوح، أو يَدعو إلى التواصل مع «أَرواحٍ مُرشِدة» أو «كائناتٍ من بُعدٍ آخر» ـ فاعلَم أنَّك أمام السحر بصُورته الجديدة، فاجتنِبه ولو زَعَمَ صاحبُه الإسلامَ والتَّقوى.

رابعاً: لماذا يَنجح هذا السِّحرُ ظاهراً؟

سؤالٌ يَتبادر إلى ذِهن كثيرٍ من الناس: إذا كانت هذه التَّكراراتُ والأرقامُ والطاقاتُ كلُّها سحراً، فلماذا يَجد بعضُ الناس فيها نَفعاً ظاهراً؟ تَجد المرأةَ تَكرر شيئاً معيَّناً فتَتزوَّج، وتَجد الرجلَ يَستعمل «قانون الجذب» فيَأتيه رزقٌ، فيَزداد إيمانُه بهذه الطُّرق.

والجوابُ من ثلاثة أَوجُه:

الوَجْهُ الأوَّل: خِدمةُ الشَّياطين كاستدراج. الشياطينُ تَخدم أَهلَ هذه الطُّرق في البداية، وتُحقِّق لهم بعضَ مَطالبهم، استِدراجاً وفِتنة. قال تعالى عن مَآل هؤلاء:

﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100]

فالشيطانُ يَكره ابنَ آدم ـ لأَنَّه السببُ في طَرده من رحمة الله ـ ويَبدأ مع أَهل هذه الطُّرق بـ«شَهر عَسلٍ» يَعطيهم فيه ما يُريدون من رِزقٍ وزواجٍ وتَيسيرٍ، حتى إذا تَعلَّقَت قلوبُهم به وأَدمَنوا الاستعانةَ به، تَسلَّط عليهم وعلى كلِّ أُمورهم، فأَفسَدَ عليهم دينَهم ودُنياهم وعَقولَهم.

الوَجْهُ الثاني: التأثيرُ النفسيُّ والإيحاءُ الذَّاتيُّ. بعضُ هذه الطُّرق تَعمل بالإيحاء النَّفسيِّ المَحض، فالإنسانُ إذا اعتَقَدَ أنَّ شيئاً سيَنفعه نَفَعَه نفسيَّاً، وانعكسَ ذلك على سُلوكه وقراراته فحقَّق له بعضَ ما يُريد. وهذا أمرٌ ثابتٌ علميَّاً في الطبِّ النفسيِّ.

الوَجْهُ الثالث: قَدَرُ الله وكَتَبُه. الله سبحانه قد كَتَبَ أَرزاقَ الناس وآجالَهم وأَزواجَهم في اللَّوح المَحفوظ. فلو فَرَضنا أنَّ امرأةً مكتوبٌ لها زواجٌ في وَقتٍ معيَّن، فتَزوَّجَت في ذلك الوقت بعد أن كَرَّرَت بسملةً أو ذَكَرَت رقماً، فإنَّ الزواجَ بقَدَرِ الله لا بهذه التَّكرارات. لكنَّ الشيطانَ يُخيِّل لها أنَّ التَّكرار هو السبب، فتَرتبط به وتَعتقده.

خامساً: ضَوابطُ المُسلم في طَلَب حاجاته

بَعد هذا التَّجوال في صُور السحر المعاصرة، يَنبغي أن نَختم هذا الفصلَ بضَوابطَ شرعيَّةٍ يَلتزمها المسلمُ في طَلَب حاجاته من الله، حتَّى لا يَقع في حَبائل الشَّيطان.

الضابطُ الأوَّل: التَّوحيدُ في الطَّلَب

على المسلم أن يُوقن أنَّ الذي يَملك النَّفعَ والضَّرَّ هو الله وحده، وأنَّ كلَّ ما سواه عاجزٌ. فلا يَطلب من الكون ولا من الطاقة ولا من الأرقام ولا من الأَحجار، وإنَّما يَطلب من الله الواحد الأَحد.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]

الضابطُ الثاني: الاتِّباعُ في الكَيفيَّة

إذا أَرادَ المسلمُ أن يَدعو ربَّه، فلْيَدعُه بما عَلَّمه الله ورسولُه: في أَوقاتٍ معلومةٍ كأَدبار الصَّلوات وثُلُث الليل الآخر ويَوم الجمعة، وبصِيَغٍ مأثورة، وبأَسمائه الحُسنى مُطلَقةً غيرَ مُقيَّدةٍ بأَعدادٍ سحريَّة. ومن دَعا بغير ما شَرَع الله فقد ابتدع، ومن ابتدعَ في الذِّكر فقد فَتَحَ على نفسه باباً قد يُفضي به إلى السحر.

الضابطُ الثالث: الأَخذُ بالأسباب الشرعيَّة

الأسبابُ المشروعةُ نَوعان: شرعيَّةٌ مَحضةٌ (كالدُّعاء والذِّكر والصدقة وصلة الرَّحم وبِرِّ الوالدَين)، وحِسِّيَّةٌ معلومةٌ بالتَّجربة (كالتَّداوي بالأَدوية الطبِّيَّة المعروفة، والسعي في طلب الرزق بالعمل المباح، وغيرها). فالمسلمُ يَأخذ بالنَّوعَين معاً، ولا يَتعلَّق قلبُه إلَّا بالله مُسبِّب الأسباب.

الضابطُ الرَّابع: الحَذَرُ من «العَلاجات الرُّوحيَّة» المُحدَثة

متى رأَى المسلمُ علاجاً يَنسبُ الشِّفاءَ إلى «طاقةٍ» أو «كَونٍ» أو «أَرقامٍ» أو «أَلوانٍ» أو «أَحجارٍ» أو «أَرواحٍ»، أو يَدعو إلى تَكراراتٍ مَخصوصةٍ بأَعدادٍ معيَّنةٍ لم يَرد بها نصٌّ، فلْيَجتَنِبه ولو ظَهَرَ نَفعُه. فإنَّ نَفعَه ـ إن وَقَعَ ـ استِدراجٌ من الشَّيطان، ومآلُه إلى ضَرَرٍ في الدِّين والدُّنيا.

الضابطُ الخامس: الاستعانةُ بالله ومَلازمةُ الحِصن

الحِصنُ الأَعظمُ من كلِّ هذه الفِتَن: مَلازَمةُ أَذكار الصَّباح والمساء، والمحافظةُ على الصَّلوات الخَمس في وَقتها مع الجَماعة، وتلاوةُ القرآن باستمرار، والتَّعوُّذُ بالله من الشَّيطان الرَّجيم. ومن لازَمَ هذا فقد دَخَلَ في حِصن الله الذي لا يُختَرَق.

خَتمُ الفَصل: كَلمةٌ للمُسلم

أيُّها المُسلم، يا مَن تَقرأُ هذه الصَّفحات، اعلَم أنَّ زَمانَك زَمانُ فِتَن، وأنَّ السحرَ قد دَخَلَ بُيوتَ المسلمين بصُورٍ خادِعةٍ ما عَرَفها أَسلافُك. فاحرص على دِينك، وعلى دين أَهلك، وعلى دين أَولادك. ولا تَدع شَيئاً يُسمَّى «طاقةً» أو «كَوناً» أو «أَرقاماً» يَدخل بَيتك، ولا يُروَّجُ في وَسط أُسرَتك، فإنَّ الفتنةَ تَدخل من أَصغر باب.

وإذا أَردتَ أمراً ـ صِغاراً كانت حاجتُك أو كِباراً ـ فتَوضَّأ، وصَلِّ ركعتَين، وارفَع يَدَيك إلى السَّماء، واسأل ربَّك بأَسمائه الحُسنى وصِفاته العُلى، وأَنزِل به فاقتَك. فإنَّ الله سبحانه قَريبٌ مُجيب، يَستحيي أن يَرُدَّ عبدَه صِفر اليَدَين.

﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 5]

واعلَم أنَّ ما يُحقِّقه الشَّيطانُ من نَفعٍ لأَهل هذه الطُّرق، لا يُساوي ذَرَّةً ممَّا عند الله من فضلٍ. والعبدُ المُؤمن إذا تَوَكَّلَ على الله حقَّ التَّوكُّل، فَتَحَ الله له من أَبواب الرزق والتَّيسير ما لا يَخطُر له على بال.

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]