شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب الأوَّل: عالم الجنِّ

الفصل الرابع: الجنُّ لا يَعلمون الغيب

من أهمِّ المسائل التي يَجب أن يَفهمها كلُّ مسلمٍ ويَستقرَّ في قلبه يقيناً: أن الجنَّ لا يَعلمون الغيب بحالٍ من الأحوال. وقد قَطَعَ القرآنُ الكريم في هذه المسألة قَطْعاً لا يَدع مجالاً لشكٍّ أو تردُّد.

قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14]

تأمَّلْ هذه الآية العظيمة وما فيها من الدِّلالة القاطعة: الجنُّ كانوا مُسخَّرين لسليمان عليه السلام، يَعملون له الأعمالَ الشاقَّة الشديدة من بناء المحاريب والتماثيل والجِفان والقدور الراسيات. فلمَّا مات عليه السلام وهو متَّكئٌ على عصاه، ظَلُّوا يَعملون ولم يَعلموا بموته، واستمرُّوا في ذلك زمناً طويلاً، حتى أَكَلَتِ الأرَضَةُ ـ وهي دابَّة الأرض ـ عصاه فخرَّ ساقطاً، فعلموا عندها أنه قد مات.

ولو كانوا يَعلمون الغيب لعلموا بموته من أوَّل لحظةٍ مات فيها، بل قَبْلَ أن يموت. لكنَّهم لم يَعلموا إلا بدليلٍ حسيٍّ ظاهر يراه كلُّ أحد. وهذا دليلٌ قاطعٌ ساطعٌ على جهلهم بالغيب، أرادَ الله أن يُظهره للناس ويُقيم به الحجَّة إلى يوم القيامة.

وقال تعالى:

﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]

فالآية عامَّةٌ شاملةٌ قاطعة: كلُّ من في السموات والأرض من الملائكة والجنِّ والإنس لا يَعلمون الغيب. استثنى الله نفسَه وحدَه سبحانه، فهو المتفرِّد بعِلْمِ الغيب، لا يُشاركه فيه أحدٌ من خَلْقه.

الفرقُ بين علم الغيب وعلم الشهادة

لكنْ هاهنا فَرْقٌ مهمٌّ يَجب أن يُفهَم حتى لا يَلتبس الأمر على القارئ:

ما مضى من أحداث، وما هو حاضرٌ في أماكنَ أخرى ممَّا لا نَعلمه نحن البشر، قد يَعلمه بعضُ الجنِّ بحُكْم قدراتهم التي تَفوق قدراتنا في التنقُّل والاطِّلاع والسماع. فالجنيُّ قد يَرى ما حَصَلَ في مكانٍ بعيدٍ ويَنقل الخبر، أو يَسمع حديثاً دارَ في مجلسٍ ويُخبر به، أو يَعرف أين دُفن كنزٌ، أو أين ذهبَ شخصٌ مفقود.

لكنَّ هذا ليس من علم الغيب في شيء، وإنَّما هو من علم الشهادة عندهم، غائبٌ عنَّا حاضرٌ لهم. والفرقُ بينهما واضح: فما شَهِدَه مخلوقٌ ورآه أو سَمِعَه، فهو ليس غيباً بالنسبة له، وإن كان غيباً بالنسبة لغيره.

أمَّا المستقبل وما سيكون، وما أَخفاه الله عن جميع خَلْقه، فهذا من عِلْم الغيب المطلق الذي استأثر الله به وحدَه، ولا يَعلمه ملَكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، فضلاً عن الجنِّ والشياطين.

قال تعالى في مفاتح الغيب:

﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]
(تنبيهٌ بالغُ الأهمِّيَّة) من ادَّعى أن الجنَّ يُخبرونه بالمستقبل أو بما سيَحصل غداً، فهو كاذبٌ أو مكذوبٌ عليه. ومن صدَّقَه فقد أتى كاهناً، وعَرَّضَ إيمانه للخطر العظيم.

قال صلَّى الله عليه وسلَّم:

«من أتى عرَّافاً فسأله عن شيءٍ لم تُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلة» [رواه مسلم]

وقال صلَّى الله عليه وسلَّم:

«من أتى كاهناً فصدَّقه بما يَقول، فقد كَفَرَ بما أُنزل على محمَّد» [رواه أحمد وأبو داود وصحَّحه الألباني]

فانظر إلى خطورة الأمر وعِظَم شأنه: مجرَّدُ إتيان العَرَّاف والسؤال ـ دون تصديق ـ يُسقط الصلاة أربعين يوماً، فكيف بمن يُصدِّقه فيما يَقول؟! إنه الكفرُ بما أُنزل على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم.

وهذا يُبيِّن لنا أن التعلُّق بالجنِّ لمعرفة المستقبل أو الغيب بابٌ من أبواب الشرك والكفر، يَجب على المسلم أن يَحذره أَشدَّ الحذر، وأن يَبتعد عنه كلَّ البُعد.