شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب الثالث: علاماتُ الإصابة

الفصل الأوَّل: علمُ الأعراض وأقسامُها التشخيصيَّة

الأعراضُ نعمةٌ من نِعَم الله على عباده؛ إذ بها يَستدلُّ العبد على صحَّته ومرضه. فالدليلُ على أنك بصحَّةٍ جيِّدةٍ أنك لا تَشعر بشيء، والدليلُ على المرض وجودُ الأعراض. والأمراضُ الروحيَّة أمراضٌ كسائر الأمراض، لها أعراضٌ يُستدلُّ بها عليها.

والأعراضُ تنقسم إلى: أعراضٍ جسديَّة، وأعراضٍ نفسيَّة، وأعراضٍ سلوكيَّة، ثم يُستأنَس بالرؤى والمنامات داعمةً للأقسام السابقة، لا مستقلَّةً بالتشخيص.

والأعراضُ الجسديَّة ثلاثةُ أقسام، وهذه نقطةٌ محوريَّةٌ في التشخيص:

الأعراض العامَّة: كألم أسفل الظهر، وثِقَل الأكتاف، وضيق الصدر. وهذه يَشترك فيها المَعيونُ والمحسودُ والمسحورُ والممسوسُ عند عامَّة المصابين، فلا يَصحُّ التشخيصُ بها وحدَها بحال.

الأعراض الخاصَّة: وهي ما يَغلب في نوعٍ من الإصابات دون غيره.

الأعراض الفيصليَّة: وهي القرائنُ الفارقة التي يَتميَّز بها نوعُ الإصابة عن غيره، وعليها مدارُ التشخيص الدقيق.

ومن مزالق التشخيص الشائعة: أن يَذكر بعضُ الرقاة أعراضاً عامَّةً على أنها أعراضُ سحرٍ مأكولٍ مثلاً، فيَقرؤها المصابُ فيَجد أكثرَها عنده، فيَجزم بأنه مسحورٌ سحراً مأكولاً، وقد يكون الأمرُ غيرَ ذلك بالكليَّة. والتشخيصُ السليم يَجعل المريض يَثِق في المعالج.

وليس كلُّ مرضٍ إصابةً روحيَّةً وإن تشابهت الأعراض. ومثالُه جرثومةُ المعدة: فقد غَفَلَ كثيرون عن علاجها طبِّيَّاً وعالجوها روحانيَّاً بحجَّة أنها عينٌ أو سحرٌ مشروب، مع أنها مرضٌ عضويٌّ معروف، يُحدث أعراضاً جسديَّةً في المعدة، وقد يُصاحبه قلقٌ وتقلُّبُ مزاجٍ وإرهاقٌ واضطرابُ نومٍ بسبب تأثيرها على الجهاز الهضميِّ والأعصاب المرتبطة به. فالواجبُ التشخيصُ الدقيق من المختصِّين حتى يَتبيَّن الأمر.

ثم اعلم أن ما يَشتبه على المصابين من جهة الفحوصات على ثلاثة أنواع بيَّنها المجرِّبون من الرقاة:

النوع الأوَّل: مرضٌ روحيٌّ لا يَظهر في التحاليل ولا في الأشعَّة مهما دقَّت، ويَشعر معه المصابُ بآلامٍ حقيقيَّةٍ وفحوصاتُه سليمة. وهذا علاجُه بالرقية الشرعيَّة. وقد عبَّر بعضُ أهل الميدان عن محلِّه بـ«الجسد الأثيري» على اصطلاحهم المتقدِّم بيانُه في مقدِّمة الكتاب.

النوع الثاني: مسٌّ يُحدث خللاً مباشراً في البدن يَظهر في الفحوصات كأيِّ مرضٍ عضوي. وهذا يُجمَع فيه بين الرقية والعلاج الطبيِّ وجوباً، فلا يُترك الطبُّ بحجَّة أن أصل الإصابة روحيٌّ، ولا يُكتفى به عن علاج السبب.

النوع الثالث: مرضٌ يَنعكس على الإنسان بسبب ما يُصيب قرينَه، والقرينُ ثابتٌ بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّلَ به قرينُه من الجنِّ» [رواه مسلم]. وتفاصيلُ هذه الكيفيَّة من المرتبة الخبراتيَّة عند أهل الميدان، تُؤخذ بحَسْبها.

والخلاصةُ العمليَّة: إذا كان المريض يَشعر بآلامٍ مستمرَّةٍ وكافَّةُ فحوصاته الطبيَّة سليمة، فهذه قرينةٌ على احتمال إصابةٍ روحيَّة، ولا يُكتفى بها وحدَها، بل تُضمُّ إليها سائرُ القرائن حتى يَتبيَّن الأمر.