الخاتمة
«الحمدُ لله الذي بنعمته تَتمُّ الصالحات»
الابتلاءُ على قَدْر الإيمان
اعلم ـ أيُّها المُبتلى ـ أن البلاءَ سُنَّةٌ ماضيةٌ في الأنبياء والصالحين قبلَك، وأن الله تعالى يَبتلي عبادَه على قَدْر إيمانهم، فمَن قَويَ إيمانُه اشتدَّ بلاؤه.
«سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أَشدُّ بلاءً؟ فقال: «الأنبياءُ ثم الأَمثَلُ فالأَمثَل، يُبتلى الرجلُ على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زِيدَ في بلائه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ خُفِّفَ عنه، وما يَبرحُ البلاءُ بالعبد حتى يَتركَه يَمشي على الأرض وما عليه خطيئة»
[رواه الترمذيُّ وابنُ ماجه وأحمدُ، وصحَّحه الألبانيُّ]
وفي هذا الحديث الجليل بشارةٌ عظيمةٌ للمبتلَى: أن البلاءَ علامةُ خير، وأنه مُكفِّرٌ للذنوب، ورافعٌ للدرجات. فلا يَيأسنَّ المُبتلى من رحمة الله، ولا يَستبطئنَّ الفَرَج، فإن مع العُسر يُسرَين.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا \* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
[الشرح: ٥-٦]
مَعِيَّةُ الله للمُبتَلى
ومن أعظم ما يَنبغي للمبتلى أن يَستَحضِرَه: أن الله تعالى مع عبده المؤمن في بلائه، يَنصرُه ويُؤيِّدُه ويَكشفُ عنه، وكلَّما اشتدَّ البلاءُ كانت مَعِيَّةُ الله أَقربَ وأَتمَّ.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
[البقرة: ١٨٦]
فالعبدُ كلَّما اشتدَّت كُربتُه، اشتدَّ تعلُّقُه بربِّه، وكلَّما تعلَّقَ بربِّه، فُتِحَت له أبوابُ الفَرَج. والبلاءُ ـ في الحقيقة ـ من أعظم أسباب الوصول إلى الله، فإن كثيراً من الصالحين ما عَرَفوا اللهَ حقَّ معرفته إلا في ساعاتِ البلاء.
«قال صلى الله عليه وسلم: «عَجَباً لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأَحد إلا للمؤمن: إن أَصابتْه سرَّاءُ شَكَر فكان خيراً له، وإن أَصابتْه ضرَّاءُ صَبَر فكان خيراً له»
[رواه مسلم]
الشفاءُ من الله وحدَه
ويَنبغي للمُبتَلى أن يَعتقدَ اعتقاداً جازماً أن الشفاءَ من الله وحدَه، وأن الراقيَ والدواءَ والرقيةَ كلَّها أسبابٌ، والمُسبِّبُ هو الله. ومَن عَلَّقَ قلبَه بالأسباب دون المُسبِّب فقد وَقَعَ في نوع من الشرك الخفيِّ.
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[الشعراء: ٨٠]
تأمَّل ـ رَحِمَك الله ـ كيف أَسنَدَ إبراهيمُ عليه السلام المرضَ إلى نفسه، وأَسنَدَ الشفاءَ إلى الله. وفي هذا أدبٌ نبويٌّ عظيم: أن العبدَ يَنسبُ النقصَ إلى نفسه، والفضلَ إلى ربِّه.
فإذا أَخَذَ المبتلى بأسباب العلاج الشرعيَّة ـ من رقيةٍ وعلاجٍ ودعاءٍ ـ فلا يَنبغي أن يَتعلَّق قلبُه بهذه الأسباب، بل يَتعلَّقُ قلبُه بربِّ الأسباب. والأسبابُ بمَنزلة الآلة، والقلبُ مُتعلِّقٌ بمُسبِّب الأسباب.
(قاعدةٌ نفيسة: «الأسبابُ في الشريعة ثلاث: نافعةٌ بنفسها وحدها، ونافعةٌ بإذن الله، وضارَّةٌ. والرقيةُ والعلاجُ من القسم الثاني، فلا تَنفع إلا بإذن الله، فمَن جَعَلَها من القسم الأوَّل فقد أَخطأ».)
كلمةٌ للمُبتَلى
أيُّها المُبتلَى، أيُّها المَكروب، يا مَن أَتعَبَه السحرُ والمسُّ والعينُ والحَسَد، أُبشِّرُك بأن فَرَجَ الله قريبٌ، وأن النَّصرَ مع الصبر، وأن مع العسر يُسراً.
اعلم أن بلاءَك ليس عقوبةً ـ كما يُوسوسُ لك الشيطانُ ـ بل هو رحمةٌ خفيَّةٌ، يَختبرُ اللهُ بها صبرَك، ويَرفعُ بها درجاتِك، ويُكفِّرُ بها سيِّئاتِك.
والعبدُ في بلائه يَنال أربعَ مَنازلَ من الإيمان لا يَنالُها في رخائه:
- «الصبرُ:» وهو حَبْسُ النفس عن الجَزَع، وحَبْسُ اللسان عن الشكوى لغير الله، وحَبْسُ الجوارح عن لَطْم الخدود وشَقِّ الجيوب.
- «الرضا:» وهو أَعلى من الصبر، أن يَرضى العبدُ بقضاء الله، فلا يَتمنَّى زوالَ البلاء وإن كانت طبيعتُه تَأبى.
- «الشكر:» وهو أَعلى من الرضا، أن يَشكرَ العبدُ ربَّه على البلاء، لمعرفته بأن في طَيِّه خيراً عظيماً لا يَعلمُه إلا الله.
- «التَّفويض:» وهو أَعلى المنازل، أن يَفوِّضَ العبدُ أمرَه كلَّه إلى الله، فيَطمئنَّ قلبُه ويَسكنَ، عالماً أن الله لا يَختار لعبده إلا الخير.
فاحرصْ ـ أخي المبتلى ـ على هذه المنازل، فإنها ـ والله ـ أعظمُ مكسبٍ تَجنيه من بلائك. ورُبَّ بلاءٍ ساقَ صاحبَه إلى الجنَّة، ورُبَّ عافيةٍ جَرَّت صاحبَها إلى النار.
كلمةٌ للراقي
وأنت ـ أيُّها الراقي ـ يا مَن نَذَرتَ نفسَك لخدمة المبتلَين، وحَمَلتَ على عاتقك أمانةَ الرقية الشرعيَّة، اسمعْ منِّي هذه الوصايا، فإنها خلاصةُ تجاربَ ميدانيَّة:
أوَّلاً: تَجرَّدْ لله
اجعلْ نِيَّتَك في الرقية خالصةً لله، لا تَطلب بها أَجراً، ولا شُهرةً، ولا ثناءً. فإن الرقيةَ بابٌ من أبواب الإحسان، والله يَجزي المُحسنين بأحسن ما عَمِلوا. وكلَّما خَلَصَت نِيَّتُك، قَويَ تأثيرُ رقيتك بإذن الله.
ثانياً: راقِبِ الله في خَلْوتك وجَلْوتك
الراقي الصالحُ يُراقب اللهَ في كلِّ شيء: في نظره، وكلامه، وعمله. ولا يَخلو بامرأةٍ أجنبيَّةٍ، ولا يَنظر إلى عَوْرةٍ، ولا يَأخذ من المال إلا ما طابَ وأَذِنَ به الشرع.
ثالثاً: لا تَستبدَّ برأيك
إذا أَشكَلَت عليك مسألةٌ، فاسألْ أهلَ العلم، ولا تَستبدَّ برأيك. فإن الراقي ليس مفتياً، وإن كان مُتلبِّساً بأمرٍ يَحتاج إلى فتوى. واستشرْ زملاءَك من الرقاة في الحالات الصعبة، فإن في الاستشارة بَرَكة.
رابعاً: لا تَتعالَى على المرضى
الراقي خادمٌ للمرضى، لا سيِّدٌ عليهم. فلا تَتعالَى على المريض، ولا تَتفاخر بعلمك، ولا تَجعل المريضَ يَشعر بأنه مُذنبٌ أو مُقصِّر. بل ارفقْ به، واصبرْ على ضعفه، وذَكِّرْه بفضل الله ورحمته.
خامساً: احذرْ من المُبالغة في تشخيص الإصابة
ليس كلُّ مرضٍ إصابةً، وليس كلُّ ضِيقٍ سحراً، وليس كلُّ حَسَدٍ عيناً. فاحذرْ من المُبالغة في تشخيص الإصابة، فإن ذلك يُورث المرضى وَهْماً وقَلَقاً، ويُؤخِّرُ علاجَ أمراضٍ نفسيَّةٍ أو عُضويَّةٍ حقيقيَّة.
(قاعدةٌ ميدانيَّة: «إذا التَبَسَ عليك تشخيصُ المريض، فأَرسِله إلى طبيبٍ نفسيٍّ أو عُضويٍّ ثقة، فإن نَفى عنه المرض، عُدتَ إلى تشخيص الإصابة الروحيَّة. وهذا أَبرأُ للذِمَّة وأَصلحُ للمريض».)
سادساً: لا تَجعل الرقيةَ سَلْعةً
إيَّاك أن تَجعل الرقيةَ سَلْعةً تُباع وتُشترى، أو أن تَأخذ على المريض أُجوراً مُبالَغاً فيها. فإن أَكثرَ ما يُفسد الرقاةَ المالُ، وأكثرَ ما يَنتشر الدجلُ بين الرقاة الطمعُ. وإذا اضطُرِرتَ إلى أَخْذ أُجرة، فاجعلْها بحدودٍ معقولةٍ تَكفي حاجتَك دون إسراف.
كلمةٌ أخيرة
هذا ما يَسَّرَ الله جمعَه وكتابتَه في هذا الكتاب. وأَسأل اللهَ تعالى أن يَنفعَ به كاتبَه وقارئَه، وأن يَجعلَه خالصاً لوجهه الكريم، وأن يَتجاوزَ عمَّا فيه من خَطأٍ أو تقصير.
وما كان فيه من صوابٍ فمن الله وحدَه، وما كان فيه من خطأٍ فمن نفسي والشيطان، واللهُ ورسولُه منه بريئان.
وأَستغفرُ اللهَ من كلِّ ما كَتبتُه ممَّا لم أَعمل به، فإن العالمَ الذي لا يَعمل بعلمه أَوَّلُ مَن تُسعَّر به النار يوم القيامة. وأَسأله سبحانه أن يَجعلَني ممَّن قال فيهم: «﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾».
وأُوصي قُرَّاءَ هذا الكتاب أن يَدعوا لكاتبه ولوالدَيه بالمغفرة والرحمة، فإن الدعاءَ بظَهْر الغيب لا يَردُّ، وأَرجو أن أَجدَ في صحيفة أعمالي يومَ القيامة دعواتٍ من إخوةٍ لم أَلتقِ بهم في الدنيا، تَكون لي شفيعاً عند ربِّي.
دعاءُ الختام
اللهمَّ إنَّا نَسألُك بأسمائك الحُسنى وصفاتك العُلى، أن تَشفيَ كلَّ مبتلى، وأن تُفرِّجَ كلَّ كَرْب، وأن تَكشفَ كلَّ هَمٍّ وغَمٍّ، وأن تَردَّ كلَّ سحرٍ على ساحره، وأن تَردَّ كلَّ عينٍ على عائنها، وأن تُبطلَ كيدَ كلِّ كائدٍ.
اللهمَّ احفظْنا بحفظك الذي لا يُرام، واكلأنا برعايتك التي لا تَنام، وأَدخلنا في حِصنك المنيع، يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أَجمعين، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.