الباب الثاني: الإصاباتُ الروحيَّة
الفصل الأوَّل: المسُّ
حقيقةُ المسِّ
المسُّ هو تَلبُّسُ الجنيِّ بالإنسيِّ، بحيث يَدخل في جسده ويُؤثِّر على عقله أو جوارحه أو مشاعره. وهو ثابتٌ بالكتاب والسنَّة.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]
فشبَّه الله أَكَلَةَ الربا يومَ القيامة بالذي يَتخبَّطه الشيطانُ من المسِّ، أي يَصرعُه ويُخبِّله. ولو لم يَكن المسُّ حقيقةً واقعةً لما صحَّ التشبيه به، إذ التشبيه بالمعدوم أو المستحيل لا يَستقيم.
قال الإمام القرطبيُّ رحمه الله: «في هذه الآية دليلٌ على فساد إنكار من أَنكرَ الصرعَ من جهة الجنِّ، وزَعَمَ أنه من فِعْل الطبائع.»
وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حالَ بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلبِّسها عليَّ. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
«ذاك شيطانٌ يُقال له خَنزَب، فإذا أَحْسَسْتَه فتعوَّذْ بالله منه، واتْفِلْ عن يَسارِكَ ثلاثاً» [رواه مسلم]
قال: ففعلتُ ذلك فأَذْهَبَه الله عنِّي.
أسبابُ المسِّ
الجنُّ لا يَدخلون في الإنسان بلا سببٍ في الغالب. وأسبابُ المسِّ كثيرةٌ، نَذكر أَهمَّها:
السببُ الأوَّل: الإيذاءُ غيرُ المقصود
وهذا أَكثرُ أسباب المسِّ شيوعاً. يُؤذي الإنسانُ جنيَّاً دون أن يَشعر، كأن يَصبَّ ماءً حارَّاً فيُصيبَه، أو يَقع عليه فيُؤذيَه، أو يَرمي شيئاً فيُصيبَه، أو يَبول في مكانٍ فيُؤذيَه. فيَغضب الجنيُّ ويَدخل في الإنسان انتقاماً لنفسه.
والعلاجُ الوقائيُّ لهذا هو التسميةُ قبل كلِّ فعل. فالتسميةُ حصنٌ من إيذاء الجنِّ، وسببٌ لتَنحِّيهم. قال صلَّى الله عليه وسلَّم:
«سَتْرُ ما بين أعين الجنِّ وعورات بني آدم إذا دخل أحدُكم الخلاء أن يقول: بسم الله» [رواه الترمذي]
السببُ الثاني: العشق
قد يَعشق الجنيُّ إنسيَّاً فيتلبَّس به. وسيأتي الكلام على المسِّ العاشق مفصَّلاً، لخطورته وكثرة وقوعه.
السببُ الثالث: السحر
قد يُسلَّط الجنيُّ على الإنسان بسبب سحرٍ عُمل له. فيَدخل فيه تنفيذاً لأمر الساحر وخدمةً للسحر.
السببُ الرابع: الغفلةُ عن ذِكْر الله
من أعظم أسباب تسلُّط الشياطين الغفلةُ عن ذِكْر الله والبُعدُ عن طاعته. فكلَّما ضَعُفَ الإيمانُ وقَلَّ الذكر، كان الإنسان أَقربَ إلى تسلُّط الشيطان عليه.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]
السببُ الخامس: الانفعالاتُ الشديدة
الغضب الشديد، والخوف الشديد، والحزن الشديد، والفرح الشديد، كلُّ هذه الانفعالات الحادَّة قد تكون باباً لدخول الجنيِّ. ولهذا جاء الشرع بالنهي عن الغضب والأمر بالتحكُّم في الانفعالات.
وقد ثَبَتَ في السنَّة عن سليمان بن صُرَدٍ رضي الله عنه قال: كنتُ جالساً مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ورجلان يتسابَّان، وأحدهما قد احمرَّ وجهُه وانتفختْ أوداجُه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
«إنِّي لأَعْلَمُ كلمةً لو قالها لذَهَبَ عنه ما يَجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذَهَبَ عنه ما يَجد» [متَّفق عليه]
فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُشير إلى أن هذا الانفعالَ الشديد في غير الله أَحْدَثَ له تَلَبُّساً من الشيطان. واحمرارُ الوجه وانتفاخ الأوداج علامتان على أن الشيطان دَبَّ في عروقه. وعلى هذا، الانفعالُ الزائدُ غيرُ محمودٍ ما لم يَكن لله وفي الله.
السببُ السادس: المعاصي
المعاصي تُضعف الإيمان وتُبعد صاحبها عن حِفْظ الله، وتَفتح الباب للشيطان. فالذي يُدمن المعاصي ويُصرُّ عليها يكون أَقربَ إلى تسلُّط الشيطان عليه من المستقيم على طاعة الله.
السببُ السابع: أماكنُ الجنِّ
نزولُ أماكنَ يَكثُر فيها الجنُّ كالخرابات والحمَّامات والمقابر والأماكن المهجورة والصحاري، خاصَّةً في أوقات الغروب والليل، دون تحصينٍ وذِكْر. وسيأتي في القصص ما يُوضِّح هذا.
أنواعُ المسِّ
المسُّ ليس نوعاً واحداً، بل له أنواعٌ متعدِّدةٌ بحسب قوَّته واستمراره:
النوعُ الأوَّل: مسُّ الطَّيف (العارض)
وهو مسٌّ عابرٌ غيرُ مستقرٍّ، يَأتي أحياناً ويَذهب. وصاحبُه يَشعر بأعراضٍ متقطِّعةٍ تَأتي وتَزول. وهذا أَخفُّ أنواع المسِّ وأَسهلُها علاجاً.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]
النوعُ الثاني: المسُّ الدائم (المستقر)
وهو أن يَستقرَّ الجنيُّ في جسد الإنسان ولا يَخرج منه. وهذا أَشدُّ من الأوَّل، وأَصعبُ علاجاً، ويَحتاج إلى رقيةٍ متواصلةٍ وصبر.
النوعُ الثالث: المسُّ الكلِّيُّ
وهو أن يَتسلَّط الجنيُّ على الإنسان تسلُّطاً كاملاً، فيَتحكَّم في عقله وجوارحه، وقد يَتكلَّم على لسانه ويَتصرَّف في جسده. وهذا أَشدُّ أنواع المسِّ.
النوعُ الرابع: المسُّ الجزئيُّ
وهو أن يَتسلَّط الجنيُّ على جزءٍ من جسد الإنسان، كيده أو رِجْله أو عينه، فيُحدث فيه ألماً أو تعطيلاً، بينما باقي الجسد سليم.
صورُ تَلَبُّسِ الجنيِّ بالجسد
من المسائل التي يَنبغي للراقي أن يَعِيَها: أن للحضور الجنيِّ صوراً متفاوتةً في الشدَّة، يَنبني عليها التشخيصُ والعلاج. وقد قَرَّرَ أهلُ الخبرة بالتجربة أن هذه الصور ثلاث:
الصورة الأولى: نوباتٌ قصيرة
قد يَظهر المسُّ في صورة نوباتٍ قصيرةٍ من الدُّوار، وفقدانِ الشعور، واضطرابِ تعابير الوجه. وقد تَمرُّ هذه النوبات سريعاً جدَّاً، دون أن يُلاحظها أحدٌ ممَّن حول المصاب، فلا يُدرك المصاب نفسه أنها وقعت إلَّا بعد انقضائها.
الصورة الثانية: تشنُّجُ عضوٍ مع بقاء الوعي
قد يَتشنَّج عضوٌ من أعضاء الجسم كالذراع أو الرِّجل، فيَفقد المصاب القدرةَ على التحكُّم في هذا العضو، مع بقاء وعيه. ولا يَفقد شعوره العامَّ، إنَّما يَخرج العضو وحدَه عن طاعته. وهذه الصورة قد تُلتبس بأمراض الجهاز العصبيِّ العضويَّة، فلا بدَّ من استبعاد المرض الطبيِّ قبل الجزم بالمسِّ.
الصورة الثالثة: التشنُّجُ الكامل
قد يَتشنَّج الجسمُ كلُّه ويَتخشَّب، ويكون المصابُ في حالةٍ لا شعوريَّةٍ تامَّة، أو يَمشي دون إدراك، ويَتكلَّم كلاماً غير منسَّق، ويُجيب إجاباتٍ مضطربة، وتَستمرُّ الحالةُ دقائقَ أو تَطول إلى ساعات.
صورةٌ مهمَّةٌ: الحضورُ الجزئيُّ المشترك
ومن المسائل التي يَغفل عنها كثيرٌ من الرقاة ـ ممَّا قَرَّرَه أهلُ الخبرة بالتجربة ـ أن لِلحضور صورةً رابعةً تُسمَّى الحضورَ الجزئيَّ المشترك، يكون فيها التَلَبُّسُ بين المصاب وبين جنيِّه، يَعي فيها المصابُ ما يَقول ويَفعل. والجنيُّ يَفعل ذلك إمَّا لعدم قدرته على الحضور الكامل، أو خبثاً ومكراً ودَهاءً حتى لا يَقع العذاب عليه وحدَه.
وعلامةُ هذا النوع من الحضور: ردودُ الفعل العضويَّة الظاهرة من تشنُّجٍ وثِقَلٍ وشدٍّ، وعدمُ القدرة على السيطرة الكاملة على اللسان أو الجسد، مع بقاء جزءٍ من الوعي عند المصاب.