الباب الخامس: العلاجُ
الفصل الأوَّل: منهجُ العلاج
القاعدةُ العامَّة
علاجُ الإصابات الروحيَّة ليس عمليَّةً ميكانيكيَّةً تَتمُّ بقراءة آياتٍ معيَّنة، بل هو منهجٌ متكاملٌ يَجمع بين أمور:
١ ـ صلاحُ الباطن وتقوية الإيمان.
٢ ـ المحافظةُ على الواجبات وتَركُ المحرَّمات.
٣ ـ الرقيةُ الشرعيَّة المنتظمة.
٤ ـ الأخذُ بالأسباب الطبيعيَّة المُعينة.
٥ ـ الصبرُ وحسنُ الظنِّ بالله.
وفقدُ أيِّ ركنٍ من هذه الأركان يَجعل العلاجَ ضعيفاً قاصراً. والمؤمنُ المُوفَّق يَأخذ بكلِّ هذه الأسباب مجتمعةً.
قاعدةٌ ذهبيَّة: عالِجِ الأصلَ لا الصدى
من أعظم القواعد التي يَجب أن يَعِيَها كلُّ راقٍ وكلُّ مصاب: «عالِجِ الأصلَ لا الصدى».
ومعنى هذه القاعدة: أن الإصابةَ الروحيَّة لها أَصلٌ هو الإصابةُ نفسها، ولها صدًى هو الأعراض الناتجةُ عنها. والكثير من الرقاة والمصابين يَنشغلون بمعالجة الصدى ويَتركون الأصل، فيَطول العلاج ولا يَأتي بثمرته.
فالذي عنده سحرُ تعطيلٍ في الزواج، أَصلُ مشكلته السحر، وصداها تعطُّلُ الزواج. والذي عنده مسٌّ يُسبِّب اكتئاباً، أَصلُ مشكلته المسُّ، وصداها الاكتئاب. والذي عنده عَيْنٌ تُسبِّب صداعاً، أَصلُ مشكلته العَيْنُ، وصداها الصداع.
فإذا اشتغلَ الإنسانُ بمعالجة الصدى ـ بأن يَأخذ مسكِّناتٍ للصداع، أو يَذهب لمشاوراتٍ لحلِّ مشكلة الزواج، أو يَتناول أدويةَ الاكتئاب فقط ـ دون أن يُعالج الأصل، فإنه يَدور في حلقةٍ مفرغة. تَختفي الأعراضُ مؤقَّتاً ثم تَعود، لأن الأصلَ لم يُعالَج.
والصوابُ أن يَجمع بين الأمرين: يُعالج الأصلَ بالرقية الشرعيَّة، ويُعالج الصدى بالأسباب المناسبة من طبٍّ ومشاوراتٍ ونحوها. فالعلاجان لا يَتعارضان، بل يَتكاملان.
(قاعدة منهجيَّة) كلُّ ما يَظهر على المصاب من أعراضٍ نفسيَّةٍ أو جسديَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ، هو في الغالب صدًى لإصابةٍ روحيَّةٍ هي الأصل. فإذا أُزيل الأصلُ زالَ الصدى من تِلْقاء نفسه. والتركيزُ على الأصل يُختصر سنواتٍ من العلاج العَرَضي.
قواعدُ نافعةٌ في العلاج
ومن القواعد التي قَرَّرَها أهلُ الخبرة في الميدان، ممَّا يُعين الراقي والمصابَ معاً:
١ ـ التشخيصُ الدقيقُ قبل العلاج
لا يَجوز البدءُ بالعلاج قبل التشخيص الصحيح، لأن العلاجَ العشوائيَّ لا يَأتي بثمرة. فعلاجُ السحر يَختلف عن علاج المسِّ، وعلاجُ العَيْن يَختلف عن علاج المسِّ العاشق. والذي يَخلط بينها يَضرب في كلِّ اتِّجاه دون أن يُصيب الهدف.
٢ ـ المتابعةُ المستمرَّة
العلاجُ ليس جلسةً واحدةً، بل سلسلةٌ من الجلسات تَتطلَّب متابعةً منتظمة. والذي يَأخذ جلسةً واحدةً ويَنتظر الشفاءَ التامَّ، كمن يَأخذ جرعةً واحدةً من دواءٍ يَحتاج لشهر، ويَنتظر النتيجة الكاملة.
٣ ـ الجمعُ بين الرقية الفرديَّة والرقية الذاتيَّة
لا يَكفي أن يَرقي الراقي المريضَ في جلسةٍ أسبوعيَّة، بل يَجب على المريض أن يَرقي نفسه يوميَّاً. ورقيةُ المرء نفسَه أعظمُ أجراً وأَنفعُ علاجاً، لأنها تَستجلب الإخلاصَ والتوكُّل.
٤ ـ التحصينُ بعد العلاج
الشفاءُ ليس نهاية المطاف، بل بدايةُ مرحلةٍ جديدةٍ هي مرحلة المحافظة. والذي يَشفى ثم يُهمل التحصين، يَعود إلى الإصابة بسهولة.
٥ ـ الصبرُ على طول العلاج
بعض الإصابات قديمة، وعلاجُها يَحتاج وقتاً. والمريضُ المُوفَّق هو الذي يَصبر ويَحتسب، ويَعلم أن الشفاءَ بيد الله، وأنه قد يَتأخَّر لحكمةٍ يَعلمها الله.
٦ ـ تجنُّبُ التشكيك
أعظمُ ما يُعطِّل العلاج تشكيكُ المريض في الشفاء، وتشكيكُ من حوله فيه. فالتشكيك يَفتح باباً للشيطان ليُوسوس ويَزيد العلَّة. والمؤمنُ القويُّ هو الذي يَستيقن من شفاء الله مهما تأخَّر.
٧ ـ تقويةُ الإيمان
الإيمان حصنُ المؤمن، وكلَّما قَوِيَ إيمانه ضَعُفَ تأثير الشيطان عليه. وتقويةُ الإيمان تكون بالعبادة والذِّكر والقراءة في كتب العقيدة وسِيَر الصالحين.
٨ ـ الابتعادُ عن مواطن الشُّبهات
المريضُ يَجب أن يَبتعد عن كلِّ ما يَجلب له ضعفاً روحيَّاً: الأماكن المشبوهة، الأصدقاء السيِّئين، المعاصي، الموسيقى، الأفلام المحرَّمة. كلُّ هذه تُفتح أبواباً للشياطين.