شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب الثاني: الإصاباتُ الروحيَّة

الفصل الرابع: السحرُ

حقيقةُ السحر

السحرُ حقيقةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنَّة، وإنكارُه إنكارٌ لِما هو معلومٌ من الدين بالضرورة. وقد ذَكَرَه الله في كتابه في مواضعَ كثيرة، وأَخْبَرَ أن نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم سُحر.

قال تعالى:

﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «سُحر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى إنه ليُخيَّل إليه أنه يَفعل الشيءَ وما يَفعله» [رواه البخاري ومسلم].

والسحرُ في اللغة: ما لَطُفَ ودَقَّ. وفي الشرع: عُقَدٌ ورُقىً وكلامٌ يَتَكَلَّم به أو يَكتبه، أو يَعمل شيئاً يُؤثِّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرةٍ له.

حكمُ السحر

السحرُ كفرٌ وخروجٌ من الملَّة. قال تعالى:

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]

وذلك لأن السحر لا يَتمُّ إلَّا بالشرك بالله، من عبادة الشياطين والتقرُّب إليهم بما يُرضيهم من الكفر والفسوق. والساحرُ يَستعين بالجنِّ والشياطين، ولا يَستجيبون له حتى يَكفر بالله.

قال صلَّى الله عليه وسلَّم:

«اجتنبوا السبعَ الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال:
«الشركُ بالله، والسحرُ، وقتلُ النفس التي حرَّم الله إلَّا بالحقِّ\...» [الحديث، رواه البخاري ومسلم]

فجَعَلَ السحرَ قريناً للشرك في السبع الموبقات.

والساحرُ حدُّه القتلُ عند جمهور أهل العلم، لعِظَم جُرْمه وفساده في الأرض.

هَيْكليَّةُ العمل السحريِّ

ممَّا قَرَّرَه أهلُ الخبرة بالتجربة: أن السحرة منظَّمون هرميَّاً بأمر إبليس، يَتبعون تنظيماً إداريَّاً وتسلسلاً مُحكماً. وكلُّ ساحرٍ تَعلو رتبتُه كانت له الغلبةُ على من دونَه. والتواصلُ بينهم سهلٌ مُيسَّر، فلا صعوبةَ في تَبديل السحر ونَقْلِه.

(تنبيه) هذه الهَيْكَليَّة التنظيميَّة من تأصيلات أهل الميدان، لا نصَّ عليها صريحاً في الكتاب والسنَّة، فتُؤخذ على أنها استقراءٌ من الواقع المُعاصر، لا قاعدةً مقطوعاً بها.

تنبيهٌ على فكِّ الساحر للسحر

الساحرُ في الأصل لا يَفُكُّ سحراً قائماً يُعرَف صانعُه، بل يَفُكُّ الأسحارَ غيرَ القائمة، أو التي لا متتبِّعَ لها. وحتى إذا فَكَّ بعضَ الأسحار القائمة، فإنه يَفعل ذلك لهدفٍ وخطَّةٍ يَضعها الشيطان، على رأسها: جَمْعُ أكبر عددٍ من الناس حوله، والاعتقادُ فيه. وهذا هدفٌ أَسمى عند الشيطان، لا يُمانع أن يَنفع به بعضَ الأشخاص ليَصلَ إليه. قال تعالى:

﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69]

أنواعُ السحر بحسب طريقة عمله

السحرُ أنواعٌ متعدِّدةٌ بحسب الطريقة التي يُعمل بها:

النوعُ الأوَّل: السحرُ المأكولُ أو المشروب

وهو أن يُوضع السحرُ في طعامٍ أو شراب، فيَأكله المسحور أو يَشربه، فيَدخل في جوفه. وهذا النوعُ من أَخطر الأنواع لأنه يَستقرُّ في البطن ويُؤثِّر من الداخل.

ومن علاماته: ألمٌ مستمرٌّ في المعدة، انتفاخاتٌ وغازاتٌ لا تَستجيب للعلاج، إمساكٌ مزمنٌ أو إسهالٌ متكرِّر، فقدانُ الشهيَّة أو الشَّرَه الزائد، الإحساسُ بحركةٍ في البطن.

النوعُ الثاني: السحرُ المشموم

وهو أن يُعمل السحرُ في بَخورٍ أو عِطْرٍ أو مادَّةٍ تُشمُّ، فإذا شمَّها المقصود دَخَلَ فيه السحر. ومن علاماته: صداعٌ شديدٌ في الرأس، ضِيقٌ في التنفُّس، حساسيَّةٌ غيرُ مبرَّرةٍ من الروائح.

النوعُ الثالث: السحرُ المرشوش

وهو أن يُرشَّ السحرُ في مكانٍ يَمرُّ منه المقصود، كباب بيته أو طريقه المعتاد. فإذا داسَ عليه أو مرَّ به أصابه. ومن علاماته: ألمٌ في القدمين والساقين خاصَّةً من الركبة فما دون، ثِقَلٌ شديدٌ في المشي، تنميلٌ مستمرٌّ في الأطراف السفليَّة.

النوعُ الرابع: السحرُ المدفون

وهو أن يُدفن السحرُ في مكانٍ معيَّن، كالمقابر أو قريباً من بيت المسحور أو في بيته نفسه. وهذا النوعُ يَستمرُّ تأثيره ما دامَ مدفوناً، وعلاجُه يَتضمَّن البحث عنه وإخراجَه وإبطالَه.

النوعُ الخامس: السحرُ المعقود

وهو أن يُعقد السحرُ في خيوطٍ أو شَعرٍ أو ملابس، وتُنفث فيه الشياطين. كما قال تعالى:

﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]

النوعُ السادس: السحرُ المعلَّق

وهو أن يُعلَّق السحرُ في شجرةٍ أو مكانٍ مرتفع، فيَستمرُّ تأثيره ما دامَ معلَّقاً.

أنواعُ السحر بحسب الغرض منه

يُصنَّف السحرُ أيضاً بحسب الغرض الذي عُمل من أجله:

سحرُ التفريق: وهو للتفريق بين الزوجَين أو الأقارب أو الأصدقاء. قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102].

سحرُ المحبَّة (التَّوَلَة): وهو لجَعْل شخصٍ يُحبُّ شخصاً حُبَّاً غيرَ طبيعي، يُذِلُّه ويُخْضِعه له.

سحرُ الجنون والخَبَل: وهو لإذهاب عقل المسحور أو إضعافه.

سحرُ المرض: وهو لإصابة المسحور بمرضٍ معيَّن.

سحرُ التعطيل: وهو لتعطيل الزواج أو الرزق أو الإنجاب أو غير ذلك.

سحرُ الربط: وهو لمنع الرجل من إتيان زوجته، أو منع المرأة من الاستمتاع بزوجها.

سحرُ التخييل: وهو لجَعْل المسحور يَرى الأشياءَ على غير حقيقتها.

سحرُ القتل: وهو لقتل المسحور، وهو أَشدُّ أنواع السحر.

أقسامُ التعطيل

التعطيل من الإصابات الروحانيَّة المؤثِّرة التي تُعطِّل مسارَ حياة المصاب في جوانبَ عدَّة، وقد قَرَّرَ أهلُ الخبرة أن يَدخل تحت هذا الباب خمسةُ أقسامٍ:

١ ـ تعطيلُ الزواج

يُعاني منه كثيرٌ من الشباب والفتيات، فيَجدون أن أمر زواجهم يَتعقَّد دائماً، رغم توافر المؤهِّلات الشكليَّة من جمالٍ وعلمٍ ومالٍ ودِين، ورغم وجود الراغبين. تَتعطَّل الخِطْبة في آخر لحظة، أو يَنفر الطرف الآخر بلا سببٍ ظاهر.

٢ ـ تعطيلُ الرزق

يَجد المصاب أن أبوابَ الرزق تُغلَق في وجهه رغم الكفاءة والسعي والاجتهاد. تَنجح المشاريعُ من حوله، وتَتعطَّل مشاريعُه. ويَفشل في التوظيف رغم استحقاقه.

٣ ـ تعطيلُ الإنجاب

يُعاني الزوجان من تأخُّر الإنجاب بدون سببٍ طبِّيٍّ واضح، فتَخرج التحاليلُ سليمة، ولا يَجد الأطبَّاءُ تفسيراً، وتَستمرُّ السنوات بلا حَمل.

٤ ـ تعطيلُ العلاقات

تَتعقَّد علاقاتُ المصاب مع المحيطين به من أهلٍ وأصدقاءَ وزملاءَ في العمل دون سببٍ واضح. تَكثر سوءُ الفهم، وتَتراكم الجَفوة، وتَنقطع المودَّة من أقرب الناس.

٥ ـ تعطيلُ العبادة

يَجد المصابُ صعوبةً شديدةً في الإقبال على الطاعات والعبادات، تَثقُل عليه الصلاة، ويَنفر من القرآن، ويَبتعد عن مجالس الذِّكْر، رغم أنه قبل الإصابة كان يَجد فيها لذَّتَه. وهذا أَخْطَرُ أنواع التعطيل، لأنه يَقطع طريق المصاب على شفائه.

تقسيمٌ آخرُ للتعطيل بحسب آليَّته ـ ممَّا قرَّره المجرِّبون من الرقاة

قسَّم المجرِّبون من الرقاة التعطيلَ ـ بحسب آليَّة وقوعه ـ خمسةَ أقسام، ولكلٍّ قرينتُه التي يُعرف بها:

الأوَّل ـ التعطيلُ الداخلي: رفضٌ داخليٌّ عند المصابة تجاه الخاطب أو فكرة الارتباط عموماً، يُصاحبه ضيقٌ ونفورٌ غير مبرَّر، وأعراضٌ سلوكيَّةٌ كالتوتُّر والانزعاج، وعضويَّةٌ كالصداع والغثيان. والثاني ـ التعطيلُ الخارجي: لا نفورَ عند المصابة ورغبتُها في الزواج قائمة، لكنَّ الأحداث المحيطة تتعطَّل: اتفاقاتٌ تَنتهي قبل الوصول إلى البيت، وخُطَّابٌ لا يأتون، وتتعقَّد الأمور بشكلٍ غريب، وغالباً يَعمُّ أفرادَ العائلة. والثالث ـ التعطيلُ فيما يُحيط بالمصابة («الهالة» بتعبير أهل الميدان): يَصل الخُطَّاب ويتحدَّثون معها، ثم يَنصرفون بنفورٍ وضيقٍ مفاجئٍ غير مبرَّر فلا يَعودون. والرابع ـ تعطيلُ القرين: بالوسوسة والتشكيك، حتى يَنعزل المصابُ عن المجتمع ويَنطوي ويَبتعد عن الله. والخامس ـ تعطيلُ الخادم والتوابع: وهو مشتركٌ بين الإصابات كلِّها؛ فتكرارُ العين أو الحسد يُكوِّن توابعَ تُفسد أمور المصاب الحياتيَّة، وفي السحر يُوجد خادمٌ موكَّلٌ بمهمَّة التعطيل.

والمفتاحُ في العلاج: معرفةُ النوع المرتبط بالحالة والتعاملُ معه بما يُناسبه، والله أعلم.

القرائنُ الفارقةُ بين السحر والحسد

والمرادُ بالحسد في هذه القرائن: الإصابةُ العينيَّةُ الصادرةُ عن حسد، كما تقدَّم تحريرُه في فصل العين.

اشتبه السحرُ والحسدُ في الأعراض العامَّة على كثيرٍ من المعالجين، فظنَّ بعضهم السحرَ حسداً والحسدَ سحراً، فاختلَّ التشخيصُ واختلَّ العلاج. وقد قَرَنَ الله سبحانه بينهما في كتابه العزيز إشارةً إلى ما بينهما من تشابه:

﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 4-5]

للسحر خُدَّامٌ وللحسد خُدَّام. والساحر لديه أَثَرٌ من المسحور يُجدِّد له السحرَ بإذن الله، والحاسد لديه أَثرٌ في نفسه وفي جسد المحسود يُجدِّد به الحسدَ كلَّما ظَهَرَتْ على المحسود نعمةٌ أو زالَت عنه نِقمة. والاختلافُ بينهما من جهة الحكم الشرعيِّ ظاهر، فالسحرُ كفرٌ والحسدُ معصية. أمَّا من جهة الأثر التدميريِّ في المحسود فلا يَبتعدان كثيراً، بل قد يكون الحسدُ أَعمَّ وأَطمَّ.

وممَّا قَرَّرَه أهلُ الخبرة بالتجربة من القرائن الفارقة بينهما:

القرينة الأولى: الصداع

السحرُ في عمومه يُحدث صداعاً كاملاً غير متنقِّل، يَأخذ الرأسَ كلَّه. والحسدُ بخلاف ذلك، فقد يُحدث ألماً نازلاً من الرأس يَمتدُّ إلى خلف الرقبة، ويَصل أحياناً إلى الأكتاف.

القرينة الثانية: الحرارة

الحرارةُ إلى الحسد أَقربُ منها إلى السحر؛ لأن الحسد في أصله نارٌ تَتَّقد في نفس الحاسد، فتَخرج منه آثارٌ حسديَّةٌ تُؤثِّر في المحسود.

القرينة الثالثة: ألمُ المعدة والغثيان والأخلاط

السحرُ يُحدث ألماً في المعدة على اختلاف أنواعه. والحسدُ يُحدث أخلاطاً سُمِّيَّةً رديئةً تُحدث الوهنَ والكسلَ والتعبَ في الجسد، وتَظهر على هيئة:

القرينة الرابعة: عدمُ القدرة على الجِماع

الضعفُ الجنسيُّ يُحدثه السحرُ والحسدُ كلاهما، لكن صورةُ كلٍّ منهما تَختلف. فيَقع الالتباس على المعالج المُتَعَجِّل، والقاعدةُ الفارقةُ الدقيقة هي:

القرينة الخامسة: النفور العامُّ

النفور العامُّ من البيت أو العمل أو الأولاد، أو ذهابُ الرزق وانقطاعُ البركة، يُحدثه خُدَّامُ السحر وخُدَّامُ الحسد، وهو من القرائن المشتركة لا الفارقة، فلا يُحسَم به التشخيصُ وحدَه.

تداخلُ الأسحار

قد يَرِد على المعالج سؤالٌ مُشكِل: لو أن فلاناً سُحر بسحرٍ معيَّن، ثم سُحر بسحرٍ آخر، فأيُّ السحرين النافذ؟ وأيُّهما المسيطر؟ وكيف الحالُ إذا كان السحران من ساحرَيْن مختلفَيْن لا من ساحرٍ واحد؟

وقد قَرَّرَ أهلُ الخبرة بالتجربة في ضابط التداخل: أنه إذا كان الساحرُ الثاني غيرَ الأوَّل، فإن صورةَ التداخل تَقوم على أحد أمرين:

وإذا كان السحرُ الثاني من نفس الساحر الأوَّل، فما عليه إلَّا إضافةُ أمرٍ لخادم السحر، عبر الشياطين الموكَّلة بهذا الجنيِّ خارج الجسد، فتَتراكم الخدمةُ كسحر.

سحرُ الاحتلال وأنواعُ السيطرة ـ ممَّا قرَّره المجرِّبون من الرقاة

ليس كلُّ ما يُشبه السيطرة شيئاً واحداً؛ فثمَّة ثلاثةُ أنواعٍ تَشترك في فكرة السيطرة وتَفترق في الحقيقة:

سحرُ المحبَّة والقبول: هدفُه أن يُحبَّك الشخص، ولا يَلزم أن يُطيعك. وسحرُ التمكين: هدفُه أن يُطيعك ولو لم يُحبَّك. وسحرُ الاحتلال: ليس مجرَّد حبٍّ ولا طاعة، بل سيطرةٌ كليَّةٌ على السلوك والنفس والتفكير.

والفرقُ الجوهريُّ أن سحر الاحتلال لا يَفعله إنسيٌّ وإنما يَفعله جنيٌّ يُريد أن يَمتلك الإنسانَ لا أن يُؤثِّر فيه فحسب، فيكون المصابُ بجسده في عالم الإنس وتفكيرُه وسلوكُه مرتبطٌ بعالم الجنِّ، وقد يَراهم ويَسمعهم ويَتفاعل معهم شاءَ أم أبى.

وخطورتُه أنه يُعطِّل الحياة بالكامل: قد يَمنع الزواجَ أو الإنجابَ أو يُعطِّل مسارَ الحياة حتى يَخضع المصابُ لما يُراد منه. ومن أسبابه عند أهل الميدان: أن يكون في الشخص استعدادٌ، أو ارتباطٌ عائليٌّ سابقٌ بالسحر، أو نزاعٌ بين الجنِّ عليه، أو عشقٌ وهو من أكثر الأسباب. وقد لا يكون الفاعلُ جنيَّاً واحداً بل مجموعةً تتحكَّم فيه.

فليس كلُّ سحرٍ واحداً، وليست كلُّ سيطرةٍ بمعنىً واحد: سحرُ الاحتلال امتلاكٌ لا تأثير. وعلاجُه علاجُ أشدِّ أنواع المسِّ والسحر: رقيةٌ مكثَّفة، وتحصينٌ للبيئة، وقطعٌ لأسباب التسلُّط، وصبرٌ طويل.

سحرُ الرَّصْد ـ ممَّا حذَّر منه المجرِّبون من الرقاة

ذَكَرَ المجرِّبون من الرقاة أن من أشدِّ أنواع السحر ما يُسمَّى عند السحرة بـ«الرَّصْد»، وحاصلُ صنيعهم فيه ـ كما يُحكى عن أهل هذا الشرِّ ـ أن الساحر يُلصق سحرَه بعنصرٍ كالتراب، ثم يَتخيَّر موافقةَ طبع المسحور لذلك العنصر، ثم يَستعين بحساباتٍ فلكيَّةٍ وطوالعَ نجوميَّة؛ طلباً لأقصر طريقٍ إلى اختراق حصانة الجسد.

واعلم أن الأبراج والطوالع باطلةٌ شرعاً لا تأثير لها بذاتها، وإنما يُذكر هذا كشفاً لصنيع السحرة واعتقادهم لا إثباتاً له، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من اقتبسَ شعبةً من النجوم فقد اقتبسَ شعبةً من السحر» [رواه أبو داود]. والشياطين تَخدم هذا الصنيعَ فتنةً واستدراجاً.

وأما فكُّه فقرَّروه على أصول الرقية نفسِها: فكُّ المدفون إن عُرف، ورقيةُ المصاب واستفراغُ ما دُسَّ في جوفه، ثم قراءةٌ عامَّةٌ بنيَّة قطع كلِّ اتصالٍ وإبطالِ كلِّ ترصُّد، ولا يُشترط معرفةُ شيءٍ من تفاصيل صنعة الساحر؛ فالقرآنُ يُبطل كيدَهم كلَّه بإذن الله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.