شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب الثالث: علاماتُ الإصابة

الفصل الثالث: التفريقُ بين المرض النفسيِّ والإصابة الروحيَّة

إشكاليَّةُ الخلط

من أعظم الإشكاليَّات في هذا الباب الخلطُ بين الأمراض النفسيَّة والإصابات الروحيَّة. وسببُ هذا الخلط أن كثيراً من الأعراض مشتركةٌ بينهما، فالاكتئاب قد يكون مرضاً نفسيَّاً وقد يكون بسبب مسٍّ أو سحر، والوسواس القهريُّ قد يكون اضطراباً نفسيَّاً وقد يكون بسبب سحر القرين، والقلقُ والخوفُ قد يكون مرضاً وقد يكون من تأثير الجنِّ، وتقلُّبُ المزاج الحادُّ قد يكون خَللاً في كيمياء الدماغ وقد يكون من تأثير العارض، والهلوساتُ السمعيَّة والبصريَّة قد تكون فِصاماً وقد تكون رؤيةً حقيقيَّةً للجنِّ.

وقد وقع الناس في هذا الباب بين طرفين:

فريقٌ يُنكر الإصابات الروحيَّة ويُحمِّل كلَّ شيءٍ على الطبِّ النفسيِّ، ويَرى أن من يَتحدَّث عن الجنِّ والسحر إنَّما هو جاهلٌ متخلِّفٌ يَعيش في عصور الظلام.

وفريقٌ آخر يُنكر الأمراض النفسيَّة ويُحمِّل كلَّ شيءٍ على الجنِّ والشياطين، ويَرى أن كلَّ اكتئابٍ مسٌّ، وكلَّ قلقٍ سحرٌ، وكلَّ وسواسٍ شيطان.

وكلا الفريقين مخطئ، والحقُّ في الوسط. فالأمراضُ النفسيَّة حقيقةٌ ثابتةٌ لها أسبابُها العضويَّةُ والبيئيَّة والوراثيَّة، والإصاباتُ الروحيَّة حقيقةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنَّة. والحكمةُ أن نُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.

المنهجُ الصحيح: الفحصُ من الجهات الثلاث

كما أن الإنسان إذا شَعَرَ بألمٍ في جسده يَذهب للطبيب ليَفحصه، وإذا شَعَرَ باضطرابٍ في نفسه يَذهب للطبيب النفسيِّ ليَغوصَ في أعماق نفسه ويُحلِّل سلوكياته وشخصيَّته، فكذلك يَنبغي أن يَذهب للراقي ليَفحصه من الجهة الروحيَّة.

فالإنسانُ الذي يُعاني من أعراضٍ غيرِ مفسَّرة قد يَحتاج إلى ثلاثة فحوصات:

أوَّلاً: الفحصُ الطبيُّ الجسديُّ. للتأكُّد من سلامة الجسد من الأمراض العضويَّة. فكثيرٌ من الأعراض النفسيَّة سببها خَلَلٌ في الغُدَّة الدرقيَّة، أو نقصٌ في الفيتامينات، أو اضطرابٌ في الهرمونات.

ثانياً: الفحصُ النفسيُّ. للتأكُّد من سلامة النفس من الاضطرابات النفسيَّة. والطبيبُ النفسيُّ المختصُّ يَستطيع أن يُشخِّص الاضطرابات ويَصف العلاج المناسب، سواءٌ كان دوائيَّاً أو سلوكيَّاً أو كلَيْهما.

ثالثاً: الفحصُ الروحيُّ. للتأكُّد من سلامة الروح من الإصابات الروحيَّة كالمسِّ والسحر والعَيْن. ويكون ذلك بالرقية الشرعيَّة على يد راقٍ ثقة.

ولا يُغني أحدُ هذه الفحوصات عن الآخر. فقد يكون الإنسانُ سليماً جسديَّاً مريضاً نفسيَّاً، أو سليماً نفسيَّاً مصاباً روحيَّاً، أو مصاباً بالاثنين معاً، أو سليماً من الجميع ولا يَحتاج إلا لتعديل نمط حياته.

الفيصلُ في التفريق: حضورُ العارض والتأثُّرُ بقراءة القرآن

السؤال الكبير: كيف نَعرف أن هذا الشخص مريضٌ نفسيَّاً أو مصابٌ روحيَّاً؟

والجوابُ أن الفيصل الأهمَّ هو حضور العارض عند الرقية، أو التأثُّرُ بقراءة القرآن.

فإذا قُرئ القرآن على الإنسان وتأثَّر تأثُّراً غيرَ طبيعيٍّ، كأن يَصرخ أو يَبكي بكاءً غيرَ إراديٍّ، أو يَتحرَّك حركاتٍ لا إراديَّة، أو يَشعر بضِيقٍ شديدٍ أو حُرقةٍ أو ألم، أو يَتكلَّم بصوتٍ مختلفٍ عن صوته، أو يُغمى عليه، أو يَشعر بثِقَلٍ شديدٍ أو تنميلٍ أو حرارةٍ أو برودةٍ غيرِ طبيعيَّة، فهذه علاماتٌ تَدلُّ على وجود إصابةٍ روحيَّة.

أمَّا إذا قُرئ عليه القرآن ولم يَتأثَّر بشيءٍ من ذلك، ولم يَشعر بأيِّ أعراضٍ غيرِ طبيعيَّة، ولم يَحضر عارضٌ ولم يَتكلَّم شيءٌ على لسانه، فالأصلُ أنه سليمٌ من الإصابات الروحيَّة، ومرضُه إمَّا جسديٌّ يَحتاج طبيباً، أو نفسيٌّ يَحتاج معالجاً نفسيَّاً.

هذا هو الفيصلُ بين الراقي والمريض: التأثُّرُ بالقرآن أو عدمُه.

(قاعدةٌ ذهبيَّة) الأصلُ في الإنسان السلامةُ من الإصابات الروحيَّة. فلا يُحكَم على أحدٍ بأنه مصابٌ بمسٍّ أو سحرٍ أو عَيْن إلا بدليلٍ واضح، وأَوْضَحُ الأدلَّة حضورُ العارض أو التأثُّرُ الظاهر بالرقية. ومن لم يَتأثَّر بالرقية، فلا يَجوز إيهامُه بأنه مصاب، ولا يَجوز أن يُقال له: «أنت مسحورٌ لكنَّ السحرَ قويٌّ ولم يَظهر» أو «العارضُ متخفٍّ ولم يَحضر». هذا من التلبيس الذي يُوقع الناس في الوهم والقلق.

تطبيقاتٌ عمليَّة

لتوضيح هذا المنهج، نَذكر بعض الأمثلة العمليَّة:

المثال الأوَّل: اضطراب ثنائيِّ القطب

شخصٌ يُعاني من تقلُّباتٍ حادَّةٍ في المزاج، فترات من النشاط المفرط والسعادة الزائدة والطاقة العالية، تَعقبها فترات من الاكتئاب الشديد والخمول والرغبة في العزلة.

إذا ذَهَبَ للطبيب النفسيِّ وشُخِّص باضطراب ثنائيِّ القطب، وأَخَذَ الأدوية المناسبة واستجاب لها وتحسَّنت حالته، فهذا يَدلُّ على أن المشكلة نفسيَّة.

لكن إذا أراد التأكُّد، أو لم يَستجب للعلاج النفسيِّ، فلْيُرقَ. فإن قُرئ عليه القرآن ولم يَتأثَّر بشيء، تأكَّدنا أن المرض نفسيٌّ وليس روحيَّاً، والعلاجُ عند الطبيب النفسيِّ. وإن قُرئ عليه وتأثَّر تأثُّراً واضحاً أو حَضَرَ العارض، عَلِمْنا أن الأصلَ في إصابته روحيٌّ، وأن الأعراض النفسيَّة ناتجةٌ عن هذه الإصابة، ويَحتاج إلى رقيةٍ شرعيَّة.

المثال الثاني: الاكتئابُ المزمن

شخصٌ يُعاني من اكتئابٍ شديدٍ مستمرٍّ منذ سنوات. إذا عُولج نفسيَّاً بالأدوية والجلسات وتحسَّن، فهو مرضٌ نفسيٌّ. وإذا لم يَتحسَّن رغم العلاج الصحيح، وقُرئ عليه فتأثَّر، عَلِمنا أن السبب روحيٌّ.

المثال الثالث: الألمُ الجسديُّ المزمن

شخصٌ يُعاني من آلامٍ مستمرَّةٍ في جسده، والفحوصاتُ الطبيَّة كلُّها سليمة، والأطبَّاء يقولون: لا نَجد سبباً. إذا قُرئ عليه ولم يَتأثَّر، فقد يكون السبب نفسيَّاً، وهو ما يُسمَّى بالألم النفسجسديِّ، ويَحتاج معالجاً نفسيَّاً. وإذا قُرئ عليه وتأثَّر أو حَضَرَ العارض، عَلِمنا أن السبب روحيٌّ، وأن الألم الجسديَّ ناتجٌ عن هذه الإصابة.

الإصابةُ المزدوجة

تنبيهٌ مهمٌّ: قد يكون الإنسانُ مصاباً بالاثنين معاً، مرضٌ نفسيٌّ وإصابةٌ روحيَّةٌ في آنٍ واحد.

فالإصابةُ الروحيَّة قد تُسبِّب مرضاً نفسيَّاً حقيقيَّاً مع مرور الوقت. والمرضُ النفسيُّ قد يُضعف الإنسان ويَجعله فريسةً سهلةً للشياطين.

ولذلك لا مانعَ من الجمع بين العلاج النفسيِّ والرقية الشرعيَّة في نفس الوقت، بل قد يكون هذا هو الأفضل في بعض الحالات المعقَّدة.

والطبيبُ النفسيُّ المسلمُ الصالح الذي يُؤمن بوجود الإصابات الروحيَّة نعمةٌ عظيمةٌ، لأنه يَستطيع أن يُفرِّق بين الحالات ويُوجِّه كلَّ مريضٍ للعلاج المناسب له.

والله تعالى أعلمُ بحقائق الأمور، وهو الشافي من كلِّ داء، سواءٌ كان جسديَّاً أو نفسيَّاً أو روحيَّاً.