تمهيد
كلمةُ الإمام ابن القيِّم في حقيقة الإصابة الروحيَّة
قبل أن نَلِجَ في أبواب هذا الكتاب، أَحببتُ أن أُصدِّره بكلامٍ نفيسٍ لأحد أعلام هذه الأمَّة، وهو الإمامُ ابنُ القيِّم الجوزيَّة رحمه الله تعالى، في كتابه العظيم «زاد المعاد في هَدْي خير العباد».
وإنَّما اخترتُ كلامه لأنه يَجمع بين العلم الشرعيِّ الراسخ والردِّ على المنكرين، ويُؤصِّل لهذا الباب تأصيلاً علميَّاً مُحكماً. وكلامُه رحمه الله يُبيِّن أن الإيمان بتأثير الجنِّ والشياطين ليس من الخرافة في شيء، بل هو من صَميم ما جاء به الشرع.
قال رحمه الله ـ وأَسُوقُ كلامَه باختصارٍ وتصرُّفٍ يسير ـ:
«الصَّرْعُ صَرْعان: صَرْعٌ من الأرواح الخبيثة الأرضيَّة، وصَرْعٌ من الأخلاط الرديئة. والثاني هو الذي يَتَكَلَّم فيه الأطبَّاءُ في سببه وعلاجه.
وأمَّا صَرْعُ الأرواح فأئمَّتُهم وعقلاؤهم يَعترفون به ولا يَدفعونه، وإن لم يَعترف به من كان جاهلاً بذلك.
قال أبقراط في بعض كتبه في هذا المرض: إنه على ضَرْبَين: أحدهما يكون من الأرواح، والآخرُ يكون من الأخلاط.
وعلاج هذا الصرع الأرواحيِّ يكون بطريقتَين:
الطريقة الأولى: من جهة المصروع، وذلك بتقوية نفسه وقلبه، وصِدْقِ التجائه إلى الله تعالى، والتعوُّذ به، والدعاء، والتضرُّع، والصدقة، وقراءة القرآن، والإيمان والتوكُّل، وعامَّة المعالجات الإيمانيَّة.
والطريقة الثانية: من جهة المعالِج، وذلك بأن يكون فيه قوَّةُ إيمانٍ، وقوَّةُ توكُّلٍ على الله، وقوَّةُ نفسٍ، وأن يكون عارفاً بالأدعية والرُّقى الشرعيَّة.
فالروحُ الشريرةُ إنَّما تَتَسلَّط على من قَلَّ نصيبه من الحقائق الإيمانيَّة، وفَرَغَ قلبُه من التعلُّق بالله تعالى، وكان فيه ضعفٌ وخَوَرٌ ورِقَّة. فهذا مَلْعَبُ الأرواح الخبيثة.
وأمَّا القلبُ العامرُ بذِكْر الله، المتَّصلُ به، الواثقُ بحفظه، المتوكِّلُ عليه، فهذا لا سلطانَ للشيطان عليه، كما قال تعالى:
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99]
ومَن له أَدنى فِطْنَةٍ يَعلم استيلاءَ الأرواح الشريرة على أرواح بعض الناس وتصرُّفها فيهم، وتكليمها على ألسنتهم، وإخبارها بما لا يَعلمه المصروع.» انتهى كلامه رحمه الله.
فتأمَّلْ ـ رعاكَ الله ـ كيف جَعَلَ ابنُ القيِّم صَرْعَ الأرواح قسيماً للصرع العضويِّ، وكيف نَقَلَ عن أبي الطبِّ أبقراط اعترافَه بذلك. وهذا يُبيِّن أن هذا الباب ليس من مُختَرَعات المسلمين ولا من خيالاتهم، بل هو حقيقةٌ يَعرفها كلُّ من له أدنى اطِّلاع.
ثم تأمَّلْ كيف جَعَلَ العلاج على محورَين: تقويةِ المصروع بالإيمان والتوكُّل، وقوَّةِ المعالج في إيمانه وعلمه. وهذا أصلٌ عظيمٌ سيُبنى عليه كتابُنا هذا.
ثم تأمَّلْ قولَه في وَصْف من يَتسلَّط عليه الشيطان: «قلَّ نصيبه من الحقائق الإيمانيَّة، وفَرَغَ قلبُه من التعلُّق بالله». فالعلاجُ الحقيقيُّ إذن ليس في الرُّقى فحسب، بل في إصلاح القلب وتعميره بالإيمان.
وهذا ما سَنُفصِّله في هذا الكتاب بإذن الله تعالى.