الباب الرابع: الرقيةُ الشرعيَّة
الفصل السابع: الإعانةُ الخفيَّة ـ تأصيلٌ وضوابط
قد يَجد الراقي أو المريضُ تيسيراً وعوناً في مسيرة العلاج لا يَعرف له سبباً ظاهراً. والأصلُ في هذا الباب أن النصر والتأييد من الله وحدَه، وقد يُجريه سبحانه بأسبابٍ خفيَّةٍ من جنده: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31]. ومنه تثبيتُ الملائكة للمؤمنين: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 12]، وقد ثبَّتوا المجاهدين ولم يَرَهم أكثرُهم.
وقد يُجري اللهُ النفعَ على يد صالحي الجنِّ دون طلبٍ من العبد ولا علمٍ منه. ومن أصرح ما يُستشهَد به لهذا ما حكاه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية عن نفسه ـ وأَسُوقُه بتصرُّفٍ واختصار ـ قال: «كما جرى مثلُ هذا لي لمَّا كنتُ في مصر في قلعتها ... وكنتُ في الحبس، فاستعظموا ذلك، وأنا لم أَخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنيَّاً يُحبُّنا، فيَصنع بالترك التتر مثلَ ما كنتُ أصنع بهم لمَّا جاؤوا إلى دمشق: كنتُ أدعوهم إلى الإسلام، فإذا نَطَقَ أحدُهم بالشهادتين أطعمتُه ما تيسَّر، فعَمِلَ معهم مثلَ ما كنتُ أعمل، وأرادَ بذلك إكرامي ... قال لي طائفةٌ من الناس: فلِمَ لا يجوز أن يكون مَلَكاً؟ قلتُ: لا، إن المَلَك لا يَكذب، وهذا قد قال: أنا ابنُ تيمية، وهو يَعلم أنه كاذبٌ في ذلك» [مجموع الفتاوى 13/92-93]. فهذا جنيٌّ صالحٌ نَفَعَ اللهُ به من غير طلبٍ منه ولا علمٍ سابق.
والضوابطُ في هذا الباب خمسة، لا يستقيم بابُ الإعانة الخفيَّة بدونها:
الأوَّل: لا تُطلَب إعانةُ الجنِّ بحالٍ من الأحوال، لا من صالحهم ولا من غيرهم؛ فالاستعانةُ بهم بابُ فتنةٍ ورهَق: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]. الثاني: لا يُعلَّق القلبُ بها ولا يُنتظَر مددٌ من مخلوق، فالاعتمادُ على الله وحدَه، والدعاءُ والتوكُّل لا يُصرَفان إلا له. الثالث: لا يُتَّخذ جنيٌّ «معيناً» أو «مرافقاً» أو «خادماً»، ومن ادَّعى أن جنيَّاً مسلماً يَخدمه أو يُراسله أو أن الملائكة تُكلِّمه، فهو مفتونٌ مضحوكٌ عليه من إبليس وجنده، كما قرَّره المجرِّبون من الرقاة أنفسُهم. الرابع: ما يُذكَر من علامات هذه الإعانة ـ كتيسيرٍ غير معتادٍ أو انصرافٍ مفاجئٍ لخدَّام السحر ـ خبرةٌ ميدانيَّةٌ لا يُبنى عليها حكمٌ، ولا يُشتغَل بتتبُّعها. الخامس: من أعظم مقامات التوحيد أن تَستشعر فضلَ الله دون أن تَبحث عن الكيان الذي أجراه اللهُ سبباً؛ فإن أعانك اللهُ بجندٍ من جنده من حيث لا تَشعر، فاشكرِ اللهَ وحدَه.