شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب الخامس: العلاجُ

الفصل السابع: علاماتُ الشفاء وأسبابُ تأخُّره

يَسأل المصابون: كيف أَعلم أني شُفيت؟ وقد جَمَعَ المجرِّبون من الرقاة علاماتِ الشفاء في عشرٍ، تُختَم بقرينةٍ فيصليَّة:

زوالُ أثر المرض الخاصِّ به ـ كمن تعطَّل حملُها بلا سببٍ طبيٍّ ثم تيسَّر بالرقية. واختفاءُ الأعراض العضويَّة والنفسيَّة التي كانت تُصاحبه. وانشراحُ الصدر وعودةُ الابتسامة. وتجدُّدُ الهمَّة وقضاءُ ما تراكم من التأجيلات والتسويفات. وخفَّةٌ يُعبِّر عنها المرضى بأن جبلاً انزاح عن أكتافهم، وصَدَقوا، فقد كانت روحٌ أخرى تُشاركهم أجسادَهم. والبركةُ في المال والعمر والصحَّة، والشيطانُ إنما يَعِد الفقر: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268]. وتيسُّرُ ما كان متعطِّلاً من وظيفةٍ وزواجٍ وتجارة. والإقبالُ على الطاعات والتلذُّذُ بها بعد العجز عنها. والقوَّةُ على ترك المعاصي والثباتُ على الحق. والاختلاطُ بالناس بعد العزلة المرضيَّة.

والعلامةُ الفيصليَّة: اختفاءُ الأعراض تماماً مدَّةً لا تقلُّ عن أسبوعين كاملين مع الرقية؛ فمن انتعش يوماً أو يومين ثم عادَ إليه ما كان، لم يكن انتعاشُه شفاءً. والشفاءُ المستقرُّ هو الذي يَدوم.

وأما أسبابُ تأخُّر الشفاء فأعظمُها تدنِّي المعنويَّات ودخولُ اليأس والإحباط إلى القلب، وطلبُ الشفاء السريع بلا صبرٍ ولا مثابرة، حتى يُزيِّن الشيطانُ لبعضهم اللجوءَ إلى السحرة والدجَّالين فتزداد الحالُ تعقيداً. وقواعدُ الشفاء عند المجرِّبين من الرقاة أربع: لا شفاءَ إلا بالمعنويَّات المرتفعة، ولا شفاءَ إلا بحسن التوكُّل والثقة بنصر الله، ولا شفاءَ إلا باتِّباع المنهج الصحيح، ولا شفاءَ إلا بالابتعاد عن كلِّ ما يُؤذي.

وإذا حدَّثك الشيطانُ بصعوبة حالك وقوَّة مرضك فتذكَّرْ قولَ موسى عليه السلام: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝ قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62]، وقولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ في الغار: «ما ظنُّك باثنين اللهُ ثالثُهما؟» [متفق عليه]. فحدِّثْ نفسَك بالشفاء وتفاءلْ؛ فلكلِّ داءٍ دواء، ولنا ربٌّ من أسمائه الرحمن الرحيم.

حين يصير المريضُ جزءاً من المشكلة

وممَّا يخفى على كثيرٍ من المصابين: أن المريض قد يصير جزءاً من المشكلة دون أن يشعر؛ فبعضُ المرضى يُعيدون تنشيط الأذى الروحي بسلوكياتٍ يومية، فتتعثَّر الرقيةُ أحياناً لا بسبب قوَّة العارض، بل بسبب ثغراتٍ يفتحها المريضُ بنفسه: متابعةُ المحتوى الذي يُثير الخوف، والاستماعُ إلى رقاةٍ يُضخِّمون العارضَ ويُهوِّلون أمرَه، والعيشُ في بيئةٍ فوضوية، والنومُ على غضب، والعلاقاتُ المؤذية، وكثرةُ التفكير في الإصابة وتحميلُ كلِّ موقفٍ أكثرَ من حجمه. وهذا المعنى وجهٌ آخر لما تقدَّم في «التجديد الوهمي للسحر»؛ فليُغلق المصابُ هذه الثغرات: يضبط ما يسمع ويشاهد، ويطمئنُّ قلبُه بالذكر، ويُصلح بيئته وعلاقاته، وينام على وضوءٍ وذكرٍ لا على غضب، ويشغل نفسه بما ينفعه.

تأصيلٌ نفيس: لماذا يتخلَّف أثرُ الرقية أحياناً؟

قد يقرأ إنسانٌ آية الكرسي قبل نومه وتُصيبه الشياطين، ويتصبَّح آخرُ بسبع تمراتٍ ويُسحر؛ أفيَقدح ذلك في نفع الرقية؟ الجوابُ عند الإمام ابن القيِّم، قال رحمه الله:

«هاهنا أمرٌ ينبغي التفطُّن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يُستشفى بها ويُرقى بها هي في نفسها نافعةٌ شافية، ولكن تستدعي قبولَ المحلِّ، وقوَّةَ همَّة الفاعل وتأثيرَه؛ فمتى تخلَّف الشفاءُ كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانعٍ قويٍّ فيه يمنع أن يَنجع فيه الدواء» [زاد المعاد].

فتخلُّفُ الشفاء لا يَقدح في الوسيلة الشرعيَّة، وإنما يرجع إلى ثلاثة أسباب: ضعفِ الراقي، أو عدم قبول المريض، أو مانعٍ قائمٍ به من ذنبٍ أو تعلُّقٍ أو إعراض؛ ومن هنا كانت قاعدةُ البحث عن رفع الموانع وتنويعِ البرنامج العلاجي، لا الشكُّ في القرآن والسنَّة.