الباب الثاني: الإصاباتُ الروحيَّة
الفصل الخامس: العَيْنُ
تحريرٌ مهم: الفرقُ بين الحسد والعين
الحسدُ بذاته لا يُصيب؛ فهو ضغينةٌ في النفس ومرضٌ قلبيٌّ في الحاسد، حقيقتُه تمنِّي زوال النعمة عن المحسود، وصاحبُه آثمٌ بقلبه ولو لم يقع منه فعل. وإنما الذي تقع به الإصابةُ هو العينُ: تخرج من نفسٍ فتصيب نفساً أخرى بإذن الله الكوني. وقد قرَّر ابنُ القيم رحمه الله أن كلَّ عائنٍ حاسد، وليس كلُّ حاسدٍ عائناً [زاد المعاد]. فالحسدُ باعثٌ وأصل ـ وهو أبو الأدواء، ومنه تنبع الأفعالُ السحرية، فما سعى ساعٍ إلى ساحرٍ إلا وفي قلبه حسدٌ يحمله ـ والعينُ هي التي تقع بها الإصابة. وعليه: فحيث ورد في هذا الكتاب «الإصابةُ بالحسد» أو «أثرُ الحسد» ونحوُهما ـ على اصطلاح أهل الميدان ـ فالمرادُ: العينُ الصادرةُ عن حسد، لا أن الضغينة القلبية تنتقل بذاتها. وقولُه تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5] أي إذا انبعث حسدُه فعلاً: من نظرةٍ أو عينٍ أو سعي.
حقيقةُ العَيْن
العَيْنُ حقٌّ، ثَبَتَتْ بالكتاب والسنَّة، وهي من أكثر الإصابات الروحيَّة شيوعاً. وكثيرٌ من الناس يَستخفُّون بها، بينما هي قد تَقتل وتُدخل القبر.
قال صلَّى الله عليه وسلَّم:
«العَيْنُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابِقَ القَدَر لسبقته العَيْن» [رواه مسلم]
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم:
«إن العَيْنَ لتُدخل الرجل القبر، والجَمَلَ القِدْر» [حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1249)]
أي أنها قد تَقتل الإنسان فيُدفن، وتَقتل الجمل فيُطبخ.
وقال تعالى حاكياً عن يعقوب عليه السلام:
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: 67]
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «خاف عليهم العَيْن.»
كيف تَحصل العَيْن؟
العَيْنُ تَحصل حين يَنظر الإنسان إلى شيءٍ يُعجبه ـ نعمةً أو جمالاً أو قوَّةً أو غير ذلك ـ فيَخرج من عينه سهمٌ مسمومٌ يُصيب المعيون. وليس كلُّ نظرةٍ عَيْناً، وإنَّما العَيْنُ التي فيها إعجابٌ شديدٌ دون ذِكْر الله أو تبريك.
والعائنُ ليس بالضرورة حاسداً أو مبغضاً، فقد يُصيب الإنسانُ نفسَه بالعَيْن، وقد يُصيب من يُحبُّ كولده وأهله. بل قد يُصيبه بالعَيْن وهو يُحبُّه ويَتمنَّى له الخير.
قال صلَّى الله عليه وسلَّم:
«إذا رأى أحدُكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يُعجبه فلْيُبَرِّكْ، فإن العَيْنَ حقٌّ» [رواه أحمد والحاكم]
أنواعُ العَيْن
النوعُ الأوَّل: عَيْنُ الحسد
وهي التي تَصدر من حاسدٍ يَتمنَّى زوال النعمة عن المحسود. وهذه أَشدُّ أنواع العَيْن، لأنها مقرونةٌ بخُبْثِ النيَّة وسوءِ الطويَّة.
النوعُ الثاني: عَيْنُ الإعجاب
وهي التي تَصدر من مُعجَبٍ لا يَتمنَّى الشرَّ للمعيون، لكنه لم يُبرِّكْ ولم يَذكر الله. وقد يكون العائنُ والداً يُعجَب بجمال ولده، أو صديقاً يُعجَب بنجاح صديقه.
النوعُ الثالث: عَيْنُ النفس
وهي أن يُصيب الإنسانُ نفسَه بالعَيْن حين يُعجَب بما عنده ولا يَذكر الله. وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا رأى أحدُكم من نفسه\...» فنبَّه على أن الإنسانَ قد يُصيب نفسه.
علاماتُ العَيْن
للعَيْن علاماتٌ كثيرة، منها:
في الجسد: صداعٌ متنقِّل، صفرةٌ في الوجه، كثرةُ التعرُّق، برودةٌ في الأطراف أو حرارة، خفقانُ القلب، ثقلٌ على الكتفين، آلامٌ متنقِّلةٌ ليس لها مكانٌ ثابت.
في النفس: ضِيقٌ وكآبةٌ مفاجئة، رغبةٌ في البكاء دون سبب، نفورٌ من الأهل والأحباب، حبُّ العزلة، فقدانُ الرغبة في أيِّ شيء.
في العبادة: ثقلٌ في الصلاة، كسلٌ عن الذكر، نفورٌ من القرآن.
في الرزق: تعطُّلٌ مفاجئٌ بعد نجاح، خسارةٌ بلا سبب، بوارُ التجارة.
في الدراسة: تراجعٌ مفاجئٌ بعد تفوُّق، صعوبةٌ في الحفظ والفهم بعد يُسر.
والفرقُ بين علامات العَيْن والسحر والمسِّ: أن العَيْنَ في الغالب تَأتي بعد حدثٍ معيَّن ـ نجاحٍ أو فرحٍ أو إظهارِ نعمة ـ ثم تَتغيَّر الأحوالُ فجأة.
حرارةُ الحسد وأثرُها في الجسد ـ ممَّا قرَّره المجرِّبون من الرقاة
ذَكَرَ المجرِّبون من الرقاة ـ من خبرتهم الميدانيَّة ـ أن المحسود الذي تَغلب عليه الحرارةُ قد يَشكو الاعتداءات المناميَّة، بل والإثارةَ الشديدة في يقظته؛ وعلَّلوه بترسُّب أثر الحسد الحارِّ في مواضعَ من الجسد. وحذَّروا من أن يَجرَّ ذلك صاحبَه إلى العادة السريَّة؛ فإنها ـ مع حرمتها ومفسدتها ـ تُقوِّي الشيطانَ عليه وتَفتح من ثغرات الجسد ما يَستغلُّه («تهتُّكات الهالة» بتعبير أهل الميدان، وانظر التنبيه المنهجيَّ في المصطلح بمقدِّمة الكتاب).
ونبَّهوا على ضابطٍ تشخيصيٍّ مهم: أن هذا لا يَنفي الاعتداءَ من خدَّام السحر أو المس، وأنه ليس من العشق في شيء؛ فلا يُشخَّص كلُّ مضايقةٍ بأنها مسٌّ عاشق.
وعلاجُه عندهم ـ وهو من المجرَّبات ـ: تبريدُ الجسد، بالجلوس في ماءٍ مرقيٍّ بملحٍ وخلٍّ نصفَ ساعةٍ يوميَّاً حتى تَحصل الراحة ثم المباعدةُ بين المرَّات، بعد تحصين المحيط والجسد بالأذكار قبل النوم. ومن وَجَدَ من نفسه غلبةً فلْيَستعن بالله ثم بأهل العلم والاختصاص، والله الشافي.
أكياسُ الصدر والرحم عند النساء ـ بين الطبِّ والرقية
ذَكَرَ المجرِّبون من الرقاة أن بعض النساء يُصَبْنَ بظهور أكياسٍ في الصدر أو الرحم، وأن الكيس إن لم يَكن له سببٌ طبيٌّ معروفٌ فقد يكون من آثار العين المتراكمة. ومن علاماته عند أهل الميدان: الظهورُ المفاجئ على شكل ألمٍ ثم كيسٍ خلال ساعات، مع قرائنَ سابقةٍ كالضيق والصداع. وذكروا من تجربتهم أن الكيس الذي سببُه روحيٌّ محضٌ قد يَعود بعد الاستئصال ما لم يُعالَج سببُه.
قاعدةٌ لا تقبل المساومة: لا يُترك فحصٌ طبيٌّ ولا علاجٌ ولا جراحةٌ أوصى بها الطبيبُ المختصُّ بحالٍ من الأحوال، ولو غَلَبَ على الظنِّ أن للإصابة أصلاً روحيَّاً. فالفحصُ الطبيُّ أوَّلاً، وما قرَّره الأطبَّاء من استئصالٍ أو دواءٍ فهو من الأخذ بالأسباب الواجبة شرعاً، والرقيةُ تُصاحب العلاجَ الطبيَّ ولا تَحلُّ محلَّه ولا تَسبقه. وتأخيرُ علاج الأورام بدعوى الاكتفاء بالرقية مصادمٌ لمقصد حفظ النفس، وقد قدَّمنا في صدر هذا الكتاب أنه ليس بديلاً عن الطبيب. وأما ما يُروى في هذا الباب من عبارات التخويف من الجراحة، فلا يُلتفت إليها ولا يُبنى عليها تركُ سببٍ طبيٍّ واجب.
والتأصيلُ لهذا الجمع ما قرَّره الإمامُ ابنُ القيِّم في زاد المعاد من أن الأدواء ضربان: داءٌ من الأرواح الخبيثة، وداءٌ من الأخلاط والأبدان؛ فقد يكون الداءُ البدنيُّ الظاهر عرَضاً لسببٍ روحيٍّ كامن. وإذا كان كذلك: عولجَ الأثرُ البدنيُّ بالطبِّ، وعولجَ السببُ الروحيُّ بالرقية، والجمعُ بين السببين من كمال التوكُّل على الله.
وممَّا ذكروه في تخفيف هذه الأكياس بعد الاطمئنان على الجانب الطبِّي: المسحُ على موضع الكيس فجراً بحركةٍ دائريَّةٍ خفيفةٍ مع التلاوة والنفث ـ تتولَّاه المرأةُ نفسُها أو زوجُها أو إحدى محارمها ـ نحوَ عشر دقائق، ثم دهنُ الموضع بزيت زيتونٍ مرقيٍّ، وقبل النوم دهنُه بعسل سدرٍ مرقيٍّ مع التلاوة. وممَّا جرَّبه بعضُهم التلاوةُ بسورة الرحمن، والقرآنُ كلُّه شفاء. وهذا كلُّه من المجرَّبات المباحة المصاحِبة للعلاج الطبيِّ، لا البديلة عنه.