الباب السابع: قصصٌ من الواقع
القصَّة الأولى: السحرُ المأكولُ والإطعامُ المناميُّ
من الوقائع التي شهدتُها في هذا الباب: امرأةٌ في الأربعينات من عمرها، شَكَت أعراضاً مستمرَّةً منذ سنين طويلة: ضيقاً شديداً في الصدر، وكآبةً لا تنقشع، وأحلاماً مزعجةً تكاد لا تفارقها ليلة، ومشاكلَ متجدِّدةً مع زوجها مع أنه رجلٌ صالحٌ هادئ. وكانت تستيقظ من نومها أحياناً فترى أشخاصاً حولها، تُشير إليهم وتوقظ زوجها عليهم، ثم تعود إلى نومها.
وأغربُ ما كانت تشكوه: أنها كثيراً ما تستيقظ وبطنُها ممتلئةٌ ثقيلةٌ متخمة، مع أنها نامت على معدةٍ فارغةٍ تماماً؛ يتكرَّر ذلك مرَّةً أو مرَّتين في الأسبوع على الأقل.
ولم يحضر عليها عارضٌ ولم ينطق على لسانها شيء؛ وإنما بُني التشخيصُ على اجتماع القرائن: كثرةُ شكوى البطن، وتكرارُ الامتلاء بلا أكل، وتأثُّرُها البيِّن عند قراءة القرآن عليها. وليس من طبيعة الإنسان السليم أن يتأثَّر بالقرآن تأثُّراً سلبيَّاً؛ فالقرآنُ هدايةٌ ورحمةٌ وراحة، فإذا انقلب عند سماعه ضيقٌ ونفورٌ واضطراب، كان ذلك من قرائن الإصابة. فترجَّح أنه سحرٌ مأكول، وأن ما تجده من امتلاء بطنها في منامها من جنس الإطعام المنامي الذي يُجدَّد به السحرُ المأكول كلَّما ضَعُفَ أثرُه، كما تقدَّم تقريرُه في فصله.
وكانت خطَّةُ العلاج: خلطةُ السحر المأكول والاستفراغُ المقروء عليه لإخراج ما في البطن، مع التحصين قبل النوم ودهن فتحات الجسد بالمسك الأسود ـ وقد تقدَّمت الوصفتان في باب العلاج. وكانت تستفرغ موادَّ غريبة: خيوطاً سوداء، وموادَّ لزجة، وكلَّما استفرغت شيئاً خفَّت الأعراض؛ حتى ارتاحت وتغيَّرت حياتُها بفضل الله تعالى.
العِبَرُ المستفادة: الأولى: السحرُ المأكول قد يستمرُّ أثرُه سنين بسبب تجديده بالإطعام المنامي. الثانية: أهمِّيَّةُ التشخيص الدقيق؛ فلو عُولجت بالرقية وحدَها دون الاستفراغ لبقي أصلُ السحر في بطنها. الثالثة: العلامةُ الواحدة لا تكفي في التشخيص ـ فقد يكون امتلاءُ البطن ونحوُه عضويَّاً محضاً ـ وإنما تلزم قراءةٌ كاملةٌ لحالة المصاب وجمعُ القرائن قبل الإقرار بالإصابة؛ ومن أقوى القرائن التأثُّرُ السلبيُّ عند سماع القرآن.