الباب الرابع: الرقيةُ الشرعيَّة
الفصل الثاني: شروطُ الراقي وصفاتُه
صلاحُ الراقي
الراقي ليس مهنةً يَتعلَّمها كلُّ أحد، بل هي تَكليفٌ ومسؤوليَّة. وقد قال الإمام ابن القيِّم في وصف الراقي:
«الروحُ الشريرةُ إنَّما تَتسلَّط على من قَلَّ نصيبُه من الحقائق الإيمانيَّة، فإذا واجهَها هذا الراقي بحقيقة إيمانه، انسلخت عنها قواها وانكسرت.»
فالراقي الفاضل يَجمع بين أمور:
١ ـ صلاح الباطن
القلبُ السليم، النيَّةُ الخالصة، الإخلاص لله تعالى. لا يَطلب بها مالاً ولا شُهرة، وإنَّما يَبتغي بها وجه الله ونَفْع المسلمين.
٢ ـ سلامة الظاهر
الاستقامةُ على شرع الله، المحافظةُ على الصلوات، البُعدُ عن المعاصي، حِفظُ اللسان من الكذب والغيبة.
٣ ـ العلم الشرعيُّ
معرفةُ الكتاب والسنَّة، وفهمُ مسائل الإصابات الروحيَّة وأحكامها، وعدمُ التورُّط في خلافات العلماء بغير علم.
٤ ـ الخبرةُ والتجربة
تَجرِبَةُ الراقي مع الحالات تُعطيه قدرةً على التشخيص والتعامل، فلا يَتسرَّع في الحكم، ولا يَتأخَّر عن العلاج المناسب.
٥ ـ الورع وتقوى الله
الراقي الذي يَخاف الله لا يُخادع المرضى، ولا يَستغلُّهم، ولا يُوهمهم بإصاباتٍ ليست عندهم. ويَعرف حدودَ نفسه ويَحيل ما لا يَستطيعه إلى من هو أَقدَرُ منه.
ضوابطُ مهمَّةٌ للراقي
لا يَخلو بامرأة
الراقي لا يَخلو بالمرأة الأجنبيَّة بحال، حتى وإن كانت مريضة. والرقيةُ تكون بحضور محرمها، وفي مكانٍ مفتوح.
لا يَلمس بشرة المرأة
لا يَجوز للراقي أن يَلمس بشرة المرأة الأجنبيَّة، وإن احتاجَ للنفث على موضعٍ منها فلْتَكن من فوق الثوب، أو يَفعله محرمُها بأمره.
لا يَأخذ من الناس أَثَراً
الراقي الشرعيُّ لا يَطلب من المرضى ثياباً أو شَعراً أو غير ذلك من الآثار، فهذا من أعمال السحرة. وإنَّما يَرقي على الشخص نفسه.
لا يَدَّعي معرفة الغيب
الراقي لا يَدَّعي أنه يَعرف اسم الساحر أو مكان السحر أو غير ذلك من الغيبيَّات. والذي يَدَّعي ذلك إمَّا كاذبٌ أو يَستعين بالجنِّ، وكلاهما مذمومٌ شرعاً.
لا يُكَلِّم العارض كثيراً
من الأخطاء الشائعة عند بعض الرقاة الإطالةُ في الحوار مع العارض، يَسأله عن اسمه ودينه ولونه ومن أرسله. وهذا قد يَفتح باباً للكذب من الجنِّ، فالشيطان كذَّاب. والأَوْلى الإسراعُ بإخراج العارض دون كثرة كلامٍ معه.
تحريرٌ: الراقي بين العلم والديانة
يظنُّ كثيرون أن الصلاح والتقوى وحدَهما يَصنعان الراقي. والصوابُ أن الرقية صنعةٌ وعلمٌ وممارسة، كما أن الطبَّ كذلك؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من تطبَّبَ ولم يُعلَم منه طبٌّ فهو ضامن» [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وحسَّنه الألباني]. فجَعَلَ مدارَ الحِلِّ والضمان على العلم بالصنعة. وقال لمن رقى بالفاتحة: «وما يُدريك أنها رقية؟» [متفق عليه]، وقال: «اعرِضوا عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك» [رواه مسلم]؛ فدلَّ على أن الرقية علمٌ يُعرَض ويُضبَط ويُتعلَّم.
والعبادةُ وحدَها ـ مع عظيم قدرها ـ لا تسدُّ مسدَّ العلم؛ فشرطا قبول العمل الإخلاصُ والمتابعة، وشرطُ إتقان الصنعة العلمُ بها. فالعلمُ بالصنعة ركنُ الإتقان، والديانةُ والتقوى ركنُ القبول والبركة وثقةِ المرضى، ولا يَكتمل الراقي إلا بهما معاً: علمٌ بلا ديانةٍ طريقُ فتنة، وديانةٌ بلا علمٍ حسنُ نيَّةٍ لا يُغني عن الصنعة شيئاً.
واعلم أن أكثر من يَتعرَّض لأذيَّة السحرة والشياطين في النفس والمال والولد همُ الرقاةُ الصادقون الذين فَتَحَ اللهُ عليهم في فضح ألاعيبهم وكشف مخطَّطاتهم. فمن سلَّمه اللهُ منهم سنينَ فلعلَّه ليس هدفاً ذا بالٍ عندهم، ومن ابتُلي فلْيَصبر؛ فهي حربٌ، وقد هُزم المسلمون في أُحدٍ وانتصروا في حمراء الأسد، والمهمُّ الثباتُ حتى الممات.