شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب الخامس: العلاجُ

الفصل الثاني: قواعدُ ميدانيَّةٌ نافعة

هذه قواعدُ خبراتيَّةٌ قَرَّرَها أهلُ الميدان من خلال طول مُمارسَتهم للرقية والعلاج، وهي ممَّا يَنبغي للراقي والمصاب معرفتُها، إذ تَختصر الطريقَ وتَحفظ من الأخطاء الشائعة في باب العلاج. وقد رتَّبتُها على أبواب لتَكون أَيسَرَ في التَّناول.

أوَّلاً: قَواعدُ في الرقية والقراءة

القاعدةُ الأولى: الراقي وسيلةٌ لا غاية

الراقي مُجرَّدُ سَببٍ، والشِّفاءُ من الله. ومن جَعَل الراقيَ غايةً تَعلَّقَ به قلبُه، وضَعُفَ توكُّلُه على الله، فقد يَتأخَّر شفاؤه. والمُؤمن المُوفَّق يَأخذ بسبب الراقي ويَتعلَّق قلبُه بربِّه.

القاعدةُ الثانية: قراءةُ المريض على نفسه أَنفعُ من قراءة الراقي

ثَبَتَ بالخبرة أنَّ رقيةَ المرء نفسَه أَعظمُ أَثَراً من رقية غيره له، لأنَّها تَستجلب الإخلاصَ والتَّوكُّلَ والافتقارَ إلى الله. والراقي الحاذقُ يُعلِّم المريضَ كيف يَرقي نفسَه، ولا يَجعله مُعتمِداً عليه.

القاعدةُ الثالثة: التَّأثيرُ بالقراءة لا بالكَيفيَّة

بعضُ الناس يَظنُّ أنَّ التَّأثير في النَّفخ بالطريقة الفُلانيَّة، أو بوضع اليد على المَوضع المُعيَّن، أو برفع الصَّوت على درجةٍ مُحدَّدة. والحقيقةُ أنَّ التَّأثيرَ بالقراءة نفسها مع الإخلاص واليقين، وليست هذه الكَيفيَّاتُ إلَّا أُموراً مُساعِدةً لا أصليَّة.

القاعدةُ الرابعة: الاستمرارُ على القَدْر اليَسير خيرٌ من الانقطاع

ساعةٌ من الرقية اليَوميَّة المنتظمة على مدى شَهرَين، أَنفَعُ من جَلستَين طويلتَين تَنقطعان أَسابيعَ. والمداومةُ على القليل تَهدم الإصابات أَسرعَ من القَفَزات الكَبيرة المُتقطِّعة.

ثانياً: قَواعدُ في التَّشخيص

القاعدةُ الخامسة: لا تَعتمد على عَرَضٍ واحد

التَّشخيصُ الدقيقُ لا يَكون بعَرَضٍ واحدٍ، بل بمَجموعةٍ من القَرائن المُجتمعة. فالصُّداعُ وَحدَه ليس دليلَ إصابة، والأَرَقُ وَحدَه ليس دليلَ مَسٍّ. وإنَّما تَجتمع القَرائنُ في الجَسد والنَّفس والعِبادة والرُّؤى والرِّزق ـ كما في باب علامات الإصابة ـ ليُحكَمَ بالإصابة.

القاعدةُ السادسة: استبعِدِ الأَسبابَ الطِّبيَّةَ أَوَّلاً

القاعدةُ المنهجيَّة في التَّشخيص: استبعادُ الأَسباب الطِّبيَّة العُضويَّة والنَّفسيَّة قبل الحُكم بالإصابة الرُّوحيَّة. وكثيرٌ من الذين يُحكَم عليهم بالإصابة هم في الحقيقة مَرضى نَفسيُّون أو عُضويُّون يَحتاجون لطبيبٍ. والبَدءُ بالعَرض على طَبيبٍ ثقةٍ من تَمام النُّصح للمريض.

القاعدةُ السابعة: تَفريقُ الإصابات عن بَعضها

لا يَكفي الحُكمُ على المريض بأنَّه «مُصاب»، بل لا بُدَّ من تَحديد نَوع الإصابة: سِحرٌ أو مَسٌّ أو عَينٌ أو حَسَدٌ أو جَمعٌ منها. وكلُّ نَوعٍ له علاجُه المَخصوصُ، والذي يَخلط بينها يَضرب في كلِّ اتِّجاه دون أن يُصيبَ الهَدَف.

القاعدةُ الثامنة: لا تَتعجَّل بإقرار الجِنيِّ

بعضُ المصابين تَنطق على ألسِنَتهم أَلفاظٌ في الرقية، فلا يَنبغي للراقي أن يَتعجَّل بإقرار كلامها كأنَّه من الجنِّ. فقد يَكون من حديث النَّفس، أو الوَهم، أو الإيحاء. والقاعدةُ: لا يُعتَمَد على نُطقٍ إلَّا إذا تَكرَّرَ بشكلٍ مُتَّسقٍ ووَثيق، ووَافَقَ سائرَ القَرائن.

ثالثاً: قَواعدُ في التَّعامل مع العارض

القاعدةُ التاسعة: الحَذَرُ من تَصديق الجنِّ في كلِّ ما يَقول

هذه قاعدةٌ ذَهبيَّةٌ يَنبغي للراقي حِفظُها: الجنُّ كَذوبون. حتَّى الذين يَدَّعون الإسلامَ منهم قد يَكذبون. فلا يَنبغي تَصديقُ كلِّ ما يَقولُه العارض من أسماء، أو أَماكنَ، أو أصحاب أَسحار، أو غيرها. فقد يَتَّهم العارضُ شَخصاً بَريئاً ليُفسد العَلاقات بين المسلمين.

القاعدةُ العاشرة: لا تَستَجِب لطَلبات الجنِّ

بعضُ الجنِّ يَطلب من الراقي أَموراً ليَخرج: «دَع الرقية»، «أَعطني فُرصةً»، «أَخرج بشَرطٍ كذا». والقاعدةُ: لا يُسلَّم للجنِّ بأيِّ شَرطٍ، فإنَّه ضعيفٌ مَهزومٌ بالقرآن، ومَتى تَنازَل الراقي تَجَرَّأ العارضُ وزاد إيذاؤه.

القاعدةُ الحادية عشرة: الحَزمُ مع الرَّحمة

الراقي مع الجِنِّ كالأَب مع الوَلَد: حَزمٌ مع رَحمةٍ، شِدَّةٌ مع لين. لا يَتساهل معه فيُلين كَيدُه، ولا يَقسو عليه فيَرتفع فيه شأنُه. بل يَكون مَوقفُه ثابتاً صَارماً، مع كَرامة المُؤمن ووَقاره.

القاعدةُ الثانية عشرة: لا تَأخذ العَهد على الجنِّ بالخروج فقط

بعضُ الرقاة يَكتفي بأخذ العَهد على الجنيِّ بأن يَخرج. والصَّوابُ: أَخذُ العَهد على ثلاثة أُمور: ١ ـ أن يَخرج. ٢ ـ ألَّا يَعود. ٣ ـ ألَّا يُؤذي أحداً من المسلمين. فإن نَقَضَ ـ والجنُّ يَنقضون ـ عاد الراقي للتَّعامل معه بالقوَّة.

رابعاً: قَواعدُ في صَبر المريض ونَفسيَّته

القاعدةُ الثالثة عشرة: الإصابةُ الطَّويلةُ تَحتاج عِلاجاً طَويلاً

ليست كلُّ الإصابات تَنحلُّ في جَلسةٍ أو جَلستَين. فالإصابةُ التي عاشَ معها صاحبُها سَنواتٍ، تَحتاج إلى أشهرٍ من العلاج المنتَظم. والمريضُ المُوفَّقُ هو الذي يَستوعب طبيعةَ مَرضه، فيَصبر ويَحتسب، ولا يَنتظر شِفاءً عاجلاً.

القاعدةُ الرابعة عشرة: ثِقَةُ المريض في الراقي شَطرُ العلاج

إذا فَقَدَ المريضُ ثِقَتَه في راقيه، فلْيَترك راقيَه وليَبحث عن غيره. ولا يُلاحَظ على الراقي أنَّه «يَستعجل» في إخراج المرضى، بل ينبغي ألَّا يَستبقيَ مريضاً فاقدَ الثِّقَة. والمريضُ المُتشكِّكُ يَفسد عليه الراقي رقيتَه، ويَفسد على الراقي وَقتُه.

القاعدةُ الخامسة عشرة: الحَذَرُ من تَنقُّل المريض بين الرقاة

بعضُ المرضى ـ إذا تَأخَّرَ شفاؤهم عند راقٍ ـ ذَهبوا إلى آخر، ومنه إلى ثالث، وهَكَذا. وهذا من أَعظم أَسباب طول العلاج، إذ يَبدأ كلُّ راقٍ من الصِّفر، فلا يَكتمل علاجٌ. والقاعدةُ: الالتزامُ بالراقي الواحد إن وُجِدَت الثِّقةُ، وعَدمُ التَّنقُّل إلَّا لمَوجبٍ شرعيٍّ ظاهر.

القاعدةُ السادسة عشرة: لا يأسَ مع الرقية، ولا رَقيةَ مع اليَأس

اليأسُ من رَوح الله من أعظم أبواب الشَّيطان، ومتى دَخَلَ قَلبَ المريض ضَعُفَت رقيتُه. والمؤمنُ يَعلَم أنَّ الشِّفاءَ بيَد الله، وأنَّ كلَّ أَجَلٍ كتابٌ، وأنَّ ما يُصيبه ممَّا أَخطأه، وما أَخطأه ممَّا يُصيبه.

خامساً: قَواعدُ في إصلاح حياة المريض

القاعدةُ السابعة عشرة: العِلاجُ يَبدأ من إصلاح الحال مع الله

لا تُجدي الرقيةُ مع المُصِرِّ على المعصية، ولا تَنفع التَّحصيناتُ مع تَركِ الواجبات. فأَوَّلُ خُطوةٍ في العلاج إصلاحُ الحال مع الله: المحافظةُ على الصَّلوات الخمس في وَقتها مع الجَماعة، وتَركُ المُحرَّمات الظَّاهرة، والتَّوبةُ من المعاصي.

القاعدةُ الثامنة عشرة: تَطهيرُ البَيت من المُسبِّبات

لا يَتمُّ شفاءُ المريض ما دامت في بيته أَسبابُ نَفور الملائكة وحُضور الشَّياطين: من تَماثيلَ ذَوات الأَرواح، أو صُوَرٍ مُعلَّقة، أو كِلابٍ غير المَأذون فيها، أو مَعازفَ، أو أَفلامٍ مُحرَّمة. فأَوَّلُ خُطوة: تَطهيرُ البَيت.

القاعدةُ التاسعة عشرة: قَطعُ الصِّلَة بأَسباب الإصابة

إذا عُرِفَ أنَّ الإصابةَ من شَخصٍ مُعيَّن (كحاسدٍ، أو عائنٍ، أو ساحرٍ يَتردَّد عليه)، فقَطعُ الصِّلَة بهذا الشخص شَرطٌ في العلاج. واستمرارُ المعاشرة مع المُسبِّب يَعني تَجديدَ الإصابة بشَكلٍ مُستمرٍّ، ولن يُنتهى منها.

القاعدةُ العشرون: تَعلُّمُ التَّحصين أَهمُّ من تَعلُّم العلاج

الوقايةُ خيرٌ من العلاج. والذي يُتقن التَّحصين اليوميَّ، يَحفظه الله من كثيرٍ من الإصابات أصلاً. فإذا تَعلَّم المريضُ كيف يُحصِّن نفسه يَوميَّاً ـ بأذكار الصباح والمساء، وأذكار النَّوم، والتَّسمية عند الدُّخول والخُروج ـ كان ذلك أَنفعَ له من جلَسات الرقية المتكرِّرة.

سادساً: قاعدةُ القَواعد

الإِخلاصُ والصِّدق

أَجمعُ القَواعد في كَلمتَين: الإِخلاصُ والصِّدقُ. مَن أَخلَصَ النيَّةَ لله، وصَدَقَ في طَلَب الشِّفاء، وصَبَرَ في الأَخذ بالأَسباب، فَتَحَ الله له أَبوابَ الشِّفاء من حيثُ لا يَحتسب. ومن غَفَلَ عن الإخلاص أو ضَعُفَ صِدقُه، كانت رقيتُه ضَعيفةً وإن كَثُرَت.

قال صلَّى الله عليه وسلَّم:

«إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوى» [رواه البخاري ومسلم]
(خِتامٌ) هذه القَواعدُ خُلاصةُ تَجاربَ ميدانيَّةٍ طويلة، وَقَفَ عليها أَهلُ الخبرة والاختصاص بعد سَنواتٍ من المُمارَسة. وليست بَديلاً عن النَّصِّ الشَّرعيِّ، بل إعانةً على فَهمه وتَطبيقه على الواقع. ومن جَمَعَ بين النَّصِّ والخِبرة وَفَّقه الله لخير دُنياه وآخرته.

قواعدُ مكمِّلةٌ من دروس المجرِّبين من الرقاة

وممَّا استخلصه المجرِّبون من الرقاة من تجربتهم الميدانيَّة قواعدُ مكمِّلةٌ لما تقدَّم، أَسُوقُ أنفعَها محرَّراً:

الأولى: علمُ الأعراض هو الأساس الذي يُبنى عليه التشخيصُ ثم العلاج، والتشخيصُ السليم يُورث ثقةَ المريض.

الثانية: ليست كثرةُ العلاجات هي الحل؛ فمن جَمَعَ عشرة برامجَ ووصفاتٍ متناقضةً زادَ على نفسه ولم يَستفد، والصوابُ الالتزامُ ببرنامجٍ واحدٍ منضبط.

الثالثة: الخطَّةُ العلاجيَّة المحكمة تَرتكز على ركيزتين: قطعِ الإمدادات بتحصين بيئة المصاب وتخليتها ممَّا يُغذِّي العارضَ، وضربِ التدريعات بالرقية والوصفات من استفراغٍ وإسهالٍ وأدهان.

الرابعة: لا يُهجَم على الجسد بكلِّ أنواع العلاجات دفعةً واحدة، ولا يَستعجل المعالجُ ولا المصاب، حتى يَحدث الشفاءُ أو الانتعاشُ على الأقل.

الخامسة: يُراعى في العلاج طبيعةُ الجسد وسنُّ المريض وحالُه: فالحاملُ لا تُعطى من المسهلات والاستفراغات ما يَضرُّ حملَها، والهزيلُ لا يُحمَّل ما لا يُطيق.

السادسة: قرَّر المجرِّبون من الرقاة من استقرائهم ـ وهو من المرتبة الخبراتيَّة ـ أن مَن دون السابعة لا يَملك من المقوِّمات ما يَسمح للجنيِّ بالبقاء المستقرِّ في جسده، وأن من جاوز السبعين يَضيق فيه مجالُ الاختراق، وأن ما بينهما مرحلةُ الإصابة الأكثر شيوعاً.

السابعة: العلاجُ بالضدِّ: يُبرَّد الجسدُ الحارُّ ويُسخَّن البارد؛ فمن كانت عنده حرارةٌ لا يُبدأ معه بالزيت لأنه حارٌّ في أصله، ويُبرَّد جسدُه أوَّلاً بالاغتسال وشرب الماء المرقيِّ واستفراغ الأخلاط، ثم تكون وصفةُ الزيت أنجع. وممَّا جرَّبه بعضُ الرقاة التبريدُ بقراءة سورة النور، والقرآنُ كلُّه شفاء.

الثامنة: رقيةُ البيت أوَّلُ مراحل العلاج عند المجرِّبين من الرقاة؛ فإن انتعش المصابُ بعد رقية البيت عُرف أن الإصابة فيه، وإن ازدادَ تعبُ بعض أهل البيت بعد رقيته عُرف أن الإصابة منهم، فيُتعامَل معهم بالاستفراغ ثم البرنامج العلاجي.

التاسعة: يُبتعَد عن الخلطات السامَّة والمكلفة؛ فكم من خلطةٍ ضارَّةٍ تُوصَف بحجَّة أنها سنَّةٌ وليست منها في شيء. وكلُّ ما جاء في السنَّة نافعٌ مبارك، كزيت الزيتون والحبَّة السوداء والسنا المكيِّ والخل، قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الحبَّة السوداء شفاءً من كلِّ داءٍ إلا السام» [متفق عليه]، والسامُ: الموت.

العاشرة: يمكن تدعيمُ البرنامج بالحجامة التي تُخرج الترسُّبات والأخلاط القريبة من الجلد، وأما الإصاباتُ العميقة فتحتاج علاجاً أطولَ نفَساً.