شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب السابع: قصصٌ من الواقع

القصَّة التاسعة: الذي حُكم عليه ولم يكن به عارض

هذه قصة مؤلمة، لكن عبرتها من أعظم عبر هذا الكتاب.

رجل ارتد عن الإسلام --- عياذاً بالله --- وصار يتكلم بكلام إلحادي ويتنقص الذات الإلهية والرسل، حتى حُكم عليه بما حُكم. ظن بعض أهله أن به مساً أو سحراً؛ إذ كان قبلُ هادئاً ثم تغير، فطلبوا عرضه على الطب النفسي وعلى الرقية الشرعية لعل به عارضاً يُلتمس له به عذر.

عُرض على الطب النفسي، ثم قُرئ عليه قراءة طويلة، فلم يظهر عليه أي تأثر ولا علامة من علامات العوارض: لا حركة ولا انفعال ولا شيء غير معتاد. وسُئل عن حاله فقال: أنا طبيعي، لا أسمع شيئاً ولا أرى شيئاً.

فتبيّن أنه لا يعاني من شيء من أذى الأرواح الخبيثة، وأن الشيطان الحقيقي هنا هو نفس الإنسان وهواه؛ فكما أن في الجن شياطين، ففي الإنس شياطين: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. فنُصح وذُكّر بالله، وانتهى المجلس.

والفيصل في هذا الباب: حضور العارض أو ظهور علامات التأثر بالرقية؛ فإذا قُرئ على الإنسان القراءة الكافية فلم يحضر عارض ولم تظهر علامة، فالأصل أنه ليس به أذى من الأرواح الخبيثة، ويُطلب سبب حاله في غير هذا الباب.

العبر المستفادة: الأولى: ليس كل انحراف سببه الجن، وليس كل من تغير حاله ممسوساً؛ فالإنسان قد يختار الشر بإرادته ويُحاسب عليه. الثانية: ما لا يُبرر من الأحوال قد يكون نفسياً أو فكرياً يتطلب معالجة نفسية أو فكرية، لا رقية. الثالثة: الراقي الصادق يقول الحق ولو كان مراً، ولا يوهم الناس بإصابات لا وجود لها.