الباب الثاني: الإصاباتُ الروحيَّة
الفصل السادس: الإطعامُ المناميُّ
ما هو الإطعامُ المناميُّ؟
من الظواهر الغريبة التي يُخبر عنها بعضُ المصابين أنهم يَستيقظون من النوم وبطونهم متخمةٌ ثقيلة، وكأنهم أكلوا وجبةً كاملة، رغم أنهم ناموا على معدةٍ فارغةٍ تماماً.
هذا ما يُسمَّى بالإطعام المنامي، وهو ـ عند أهل الخبرة ـ أن تُطعم الشياطين الإنسانَ في منامه طعاماً من عالمهم. وقد يكون هذا الطعامُ سحراً جديداً يُدخلونه في جوفه، أو تجديداً لسحرٍ قديمٍ موجودٍ فيه، أو علامةً على مكان السحر في الجسد.
متى يَحصل الإطعامُ المناميُّ؟
يَحصل الإطعامُ المناميُّ في أحوالٍ عدَّة:
أوَّلاً: كإصابةٍ جديدةٍ لشخصٍ لم يَكن مصاباً من قبل، فيَبدأ السحرُ به من هذا الطريق.
ثانياً: كتجديدٍ لسحرٍ موجودٍ بدأ يَضعف بسبب الرقية أو الطاعة، فيُجدِّدونه بإطعامه سحراً جديداً.
ثالثاً: كعلامةٍ تَدلُّ على مكان السحر، فإذا استيقظ وبطنه ثقيلةٌ فالسحر في بطنه على الأرجح.
التفريقُ بين تجديد السحر الحقيقيِّ وتجديده الوَهْميِّ
هذه مسألةٌ دقيقةٌ جدَّاً، يَنبغي للراقي والمصاب أن يَعِيَها حقَّ الوعي، حتى لا يَلتبس عليهما الأمر.
فقد قَرَّرَ أهلُ الخبرة بالتجربة أن ما يَظنُّه المصاب «تجديداً للسحر» على نوعَين:
النوعُ الأوَّل: التجديدُ الحقيقيُّ
وهو الذي يَقع بالفعل من الشياطين، عبر الإطعام المنامي ـ كما تقدَّم ـ أو بإرسال خادمٍ جديد، أو بإضافة تكليفٍ للخادم القائم. وهذا تجديدٌ واقعيٌّ يَستوجب تَدخُّلاً علاجيَّاً مباشراً.
النوعُ الثاني: التجديدُ الوَهميُّ
وهو ـ في كثيرٍ من الحالات ـ ما يَظنُّه المريض تجديداً وهو ليس بتجديد. وإنَّما الذي يَتجدَّد عبر الشيطان هو: الخوفُ، والقلق، والتوتر، والعصبيَّة، والضغطُ النفسيُّ. وهذه العناصر تَعمل عملَ الوقود، فتُعيد تنشيط الأذى القديم، فيَظنُّ المريض أن السحر «تجدَّد»، وهو في الحقيقة لم يَتجدَّد.
ويَحدث هذا الوهمُ بمرحلتَين متتاليتَين:
١ ـ السحرُ الأصليُّ قائمٌ لكنه خامل: قد يكون السحرُ في حال المريض قديماً ضعيفاً، شِبْهَ مُنتهٍ، أو فَقَدَ جزءاً كبيراً من تأثيره. فهو موجودٌ من حيث الأصل، لكنه لا يُحدث أعراضاً ظاهرةً مستقرَّة.
٢ ـ الخوف والقلق يُعيدان تشغيلَه: عندما يَدخل المريضُ في خوفٍ شديد، أو توتُّر، أو غضب، أو ضغطٍ نفسيٍّ متراكم، أو نومٍ غير منتظم، أو تفكيرٍ زائدٍ في أمر السحر، فإن جهازه العصبيَّ يَدخل في حالة فوضى. فتَفتح ثغراتٍ في دفاعات الجسد، وتُضعف ما يُمكن تسميتُه «المناعةَ الروحيَّة» للمصاب، وتَزيد الحساسيَّة النفسيَّة تجاه الأعراض البسيطة، وتَرفع استجابةَ المصاب للأذى القديم الكامن. فتَظهر للمريض الأعراضُ القديمة من جديد، فيَقول: «السحرُ قد عاد»، والحقيقةُ أن السحر لم يَعد، بل المريض هو الذي أعاد تشغيله دون أن يَقصد، بانفعاله وقلقه.
والقاعدةُ الجامعةُ في هذا الباب: «بعضُ ما يَظنُّه المرضى تجديداً للسحر تجديدٌ حقيقيٌّ بالإطعام المنامي أو بإرسال خادم، وكثيرٌ منه تجديدٌ وَهميٌّ بإعادة تشغيل الأذى القديم بفعل الخوف والقلق». وعلى الراقي أن يُميِّز بينهما؛ فالأوَّل يَستوجب علاجاً مباشراً (استفراغاً، رقيةً مكثَّفة، تحصيناً للمنام)، والثاني يَستوجب طمأنةَ المريض وقطعَ خوفه أوَّلاً.
ومتى انقطعَ الخوفُ والقلقُ، انقطعَ الوقودُ الذي يُحرِّك الأعراض، وذَبُلَ السحرُ القديم بإذن الله. ومن هنا ثَبَتَتْ أهمِّيَّةُ ركيزتَيْ «الصبر» و«حسن الظنِّ بالله» في العلاج.
علاجُ الإطعام المنامي
إذا استيقظ الإنسان ووَجَدَ بطنَه متخمةً ثقيلةً رغم نومه على الرِّيق، فلْيُبادر فوراً بالعلاج قبل أن يَستقرَّ ما أُطعمه:
يَأخذ كوبَ ماءٍ ويَضع فيه ملعقةً من القُسْط الهنديِّ المطحون، ويَقرأ عليه الفاتحةَ سبعَ مرَّات، ثم يَشربه ويَستفرغ. يُكرِّر ذلك حتى يَنظف ما في بطنه.
والوقاية خيرٌ من العلاج، وتكون بـ:
أوَّلاً: النومُ على طهارةٍ والمحافظةُ على أذكار النوم كاملة.
ثانياً: قراءةُ آية الكرسيِّ والمعوِّذات قبل النوم.
ثالثاً: دَهْنُ المسك الأسود على فتحات الجسد قبل النوم: فتحتَيْ الأنف، وفتحتَيْ الأذن، والسرَّة، وأعقاب القدمين. فالمسكُ ـ كما قَرَّرَه الرقاة من المُجرَّبات ـ يَطرد الشياطين ويَمنعهم من الاقتراب.