شاهين في عالم الجن والشياطين

الباب الأوَّل: عالم الجنِّ

الفصل الأوَّل: من هم الجنُّ؟

الجنُّ عالَمٌ عجيبٌ من عوالم الله الكثيرة التي لا نراها ولا نُدركها بحواسِّنا المُجرَّدة. خَلَقَهم الله تعالى قبل خَلْق آدم عليه السلام، وجَعَلَ أصلَ خِلْقَتهم من النار، كما جَعَلَ أصلَ خِلْقَة الإنسان من الطين، وأصلَ خِلْقَة الملائكة من النور.

قال تعالى:

﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: 27]

والسَّمومُ هي الريحُ الحارَّةُ التي تَنفُذ في مَسامِّ الجسد من شدَّة حرارتها ولطافتها. فأصلُ خِلْقَة الجنِّ من نارٍ حارَّةٍ نافذة، ولعلَّ في هذا ما يُفسِّر بعضَ خصائصهم من خِفَّة الحركة وسرعة التنقُّل والقدرة على النفاذ والدخول.

وقال تعالى:

﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: 15]

والمارجُ هو اللهبُ المختلطُ المضطرب، الذي تتداخل فيه الألوانُ من الأحمر والأصفر والأزرق، كما تراه في طرف اللهب حين يَشتعل. فتأمَّلْ هذا الوصف الدقيق الذي يُشير إلى طبيعة خِلْقَتهم.

وقد بَيَّنَ الله لنا أصلَ خِلْقَتهم ـ مع أننا لا نراهم ـ لحكمةٍ بالغة: لِنَعلم أنهم مخلوقون ضعفاءُ أمام خالقهم، وأنهم ليسوا بآلهةٍ ولا أرباب كما ظنَّ بعضُ الجاهليِّين، وإنَّما هم عبيدٌ لله مثلنا، مُكلَّفون مثلنا، يُحاسَبون ويُجازَون.

قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

فالغايةُ من خَلْقهم هي الغايةُ من خَلْقنا: عبادةُ الله وحدَه. وهم مُكلَّفون بالشريعة كما نحن مُكلَّفون، وفيهم المؤمن والكافر، والصالح والطالح، والمُطيع والعاصي.